بنات ليبيا

اكبر تجمع بنات ليبيا
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كتاب الطهـــارة (باب المياه)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد المصرى
عضو قريب يولي مشرف
عضو قريب يولي مشرف


ذكر عدد الرسائل : 16
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 19/11/2011

مُساهمةموضوع: كتاب الطهـــارة (باب المياه)   السبت نوفمبر 19, 2011 4:19 am

كتاب الطهـــارة

هذا الكتاب فيه اكثر من عشر ابواب وان شاء الله كل يوم ناخد باب

اليوم ان شاء المولى عز وجل نتحدث عن باب المياه

باب المياه

الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد خاتم المرسلين، وإمام المهتدين، وعلى آله أجمعين‏.‏
فصـل في الطهارة
أما العبادات، فأعظمها الصلاة‏.‏ والناس إما أن يبتدئوا مسائلها بالطُّهور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مفتاح الصلاة الطُّهور‏)‏ كما رتبه أكثرهم، وإما بالمواقيت التي تجب بها الصلاة، كما فعله مالك وغيره‏.‏
فأما الطهارة والنجاسة فنوعان‏:‏ من الحلال والحرام ـ في اللباس ونحوه ـ تابعان للحلال والحرام في الأطعمة والأشربة‏.‏
ومذهب أهل الحديث في هذا الأصل العظيم الجامع‏:‏ وسط بين مذهب العراقيين والحجازيين؛ فإن أهل المدينة - مالكًا وغيره - يحرمون من الأشربة كل مسكر - كما صحت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة - وليسوا في الأطعمة كذلك، بل الغالب عليهم فيها عدم التحريم فيبيحون الطيور مطلقًا - وإن كانت من ذات المخالب - ويكرهون كل ذي ناب من السباع‏.‏ وفي تحريمها عن مالك روايتان‏.‏ وكذلك في الحشرات عنه‏:‏ هل هي محرمة أو مكروهة‏؟‏ روايتان‏.‏
وكذلك البغال والحمير‏.‏ وروي عنه أنها مكروهة أشد من كراهة السباع، وروي عنه أنها محرمة بالسنة، دون تحريم الحمير، والخيل ـ أيضًا ـ‏:‏ يكرهها، لكن دون كراهة السباع‏.‏
وأهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس، ليست الخمر عندهم إلا من العنب، ولا يحرمون القليل من المسكر، إلا أن يكون خمرًا من العنب، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيئ، أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه‏.‏ وهم في الأطعمة في غاية التحريم، حتى حرموا الخيل والضباب، وقيل‏:‏ إن أبا حنيفة يكره الضب والضباع ونحوها‏.‏
فأخذ أهل الحديث في الأشربة بقول أهل المدينة وسائر أهل الأمصار - موافقة للسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التحريم - وزادوا عليهم في متابعة السنة‏.‏
وصنف الإمام أحمد كتابًا كبيرًا في الأشربة ما علمت أحدًا صنف أكبر منه، وكتابًا أصغر منه‏.‏ وهو أول من أظهر في العراق هذه السنة، حتى إنه دخل بعضهم بغداد فقال‏:‏ هل فيها من يحرم النبيذ‏؟‏ فقالوا‏:‏ لا، إلا أحمد بن حنبل دون غيره من الأئمة، وأخذ فيه بعامة السنة، حتى إنه حرم العصير والنبيذ بعد ثلاث‏.‏ وإن لم يظهر فيه شدة، متابعة للسنة المأثورة في ذلك؛ لأن الثلاث مظنة ظهور الشدة غالبًا‏.‏ والحكمة هنا مما تخفي، فأقيمت المظنة مقام الحكمة، حتى إنه كره الخليطين، إما كراهة تنزيه أو تحريم، على اختلاف الروايتين عنه‏.‏ وحتى اختلف قوله في الانتباذ في الأوعية‏:‏ هل هو مباح، أو محرم، أو مكروه؛ لأن أحاديث النهي كثيرة جدًا، وأحاديث النسخ قليلة، فاختلف اجتهاده‏:‏ هل تنسخ الأخبار المستفيضة بمثل هذه الأخبار التي لا تخرج عن كونها أخبار آحاد ولم يخرج البخاري منها شيئًا‏؟‏
وأخذوا في الأطعمة بقول أهل الكوفة؛ لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحوم الحمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على من تمسك في هذا الباب بعدم وجود نص التحريم في القرآن حيث قال‏:‏ ‏(‏لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول‏:‏ بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه‏)‏، ‏(‏ألا وإني وتيت الكتاب ومثله معه‏)‏،‏ (‏وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى‏)‏، وهذا المعني محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه‏.‏
وعلموا أن ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو زيادة تحريم، ليس نسخًا للقرآن؛ لأن القرآن إنما دل على أن الله لم يحرم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير، وعدم التحريم ليس تحليلاً، وإنما هو بقاء للأمر على ما كان، وهذا قد ذكره الله في سورة الأنعام التي هي مكية باتفاق العلماء، ليس كما ظنه أصحاب مالك والشافعي أنها من آخر القرآن نزولا، وإنما سورة المائدة هي المتأخرة، وقد قال الله فيها‏:‏ ‏{أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} ‏[‏المائدة‏:‏ 5‏]‏، فعلم أن عدم التحريم المذكور في سورة الأنعام ليس تحليلاً، وإنما هو عفو، فتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع للعفو ليس نسخًا للقرآن‏.‏
لكن لم يوافق أهل الحديث الكوفيين على جميع ما حرموه، بل أحلوا الخيل؛ لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحليلها يوم خيبر، وبأنهم ذبحوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا وأكلوا لحمه‏.‏ وأحلوا الضب؛ لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال‏:‏ ‏(‏لا أحرمه‏)‏، وبأنه أكل على مائدته وهو ينظر، ولم ينكر على من أكله، وغير ذلك مما جاءت فيه الرخصة‏.‏
فنقصوا عما حرمه أهل الكوفة من الأطعمة، كما زادوا على أهل المدينة في الأشربة؛ لأن النصوص الدالة على تحريم الأشربة المسكرة أكثر من النصوص الدالة على تحريم الأطعمة‏.‏
ولأهل المدينة سلف من الصحابة والتابعين في استحلال ما أحلوه، أكثر من سلف أهل الكوفة في استحلال المسكر‏.‏ والمفاسد الناشئة من المسكر أعظم من مفاسد خبائث الأطعمة؛ ولهذا سميت الخمر أم الخبائث كما سماها عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وغيره، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد شاربها، وفعله هو وخلفاؤه، وأجمع عليه العلماء، دون المحرمات من الأطعمة، فإنه لم يحد فيها أحد من أهل العلم إلا ما بلغنا عن الحسن البصري، بل قد أمر صلى الله عليه وسلم بقتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة، وإن كان الجمهور على أنه منسوخ‏.‏ ونهي النبي صلى الله عليه وسلم ـ فيما صح عنه ـ عن تخليل الخمر، وأمر بشق ظروفها وكسر دِنَانِها، وإن كان قد اختلفت الرواية عن أحمد‏:‏ هل هذا باق، أو منسوخ‏؟‏
ولما كان الله -سبحانه وتعالى- إنما حرم الخبائث لما فيها من الفساد؛ إما في العقول، أو الأخلاق أو غيرها، ظهر على الذين استحلوا بعض المحرمات من الأطعمة أو الأشربة من النقص بقدر ما فيها من المفسدة، ولولا التأويل لاستحقوا العقوبة‏.‏
ثم إن الإمام أحمد وغيره من علماء الحديث زادوا في متابعة السنة على غيرهم بأن أمروا بما أمر الله به ورسوله مما يزيل ضرر بعض المباحات، مثل لحوم الإبل، فإنها حلال بالكتاب والسنة والإجماع، ولكن فيها من القوة الشيطانية ما أشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏(‏إنها جن خلقت من جن‏)‏‏. ‏وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود‏: ‏(الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ‏)‏، فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض من الشيطان، فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحمها، كما صح ذلك عنه من غير وجه من حديث جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأسيد بن الحضير، وذي الغُرَّة، وغيرهم فقال مرة‏:‏ ‏(‏توضؤوا من لحوم الإبل ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم، وصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل‏)‏، فمن توضأ من لحومها اندفع عنه ما يصيب المدمنين ـ لأكلها من غير وضوء كالأعراب ـ من الحقد، وقسوة القلب، التي أشار اليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله المخرج عنه في الصحيحين‏:‏ ‏(‏إن الغلظة وقسوة القلوب في الفدَّاِدين أصحاب الإبل، وإن السكينة في أهل الغنم‏)‏‏.‏
واختلف عن أحمد‏:‏ هل يتوضأ من سائر اللحوم المحرمة‏؟‏ على روايتين، بناء على أن الحكم مختص بها، أو أن المحرم أولي بالتوضؤ منه من المباح الذي فيه نوع مضرة‏.‏
وسائر المصنفين - من أصحاب الشافعي وغيره - وافقوا أحمد على هذا الأصل، وعلموا أن من اعتقد أن هذا منسوخ بترك الوضوء مما مست النار فقد أبعد؛ لأنه فرق في الحديث بين اللحمين، ليتبين أن العلة هي الفارقة بينهما لا الجامع‏.‏
وكذلك قالوا بما اقتضاه الحديث‏:‏ من أنه يتوضأ منه نيئًا ومطبوخًا، ولأن هذا الحديث كان بعد النسخ؛ ولهذا قال في لحم الغنم‏:‏ ‏(‏وإن شئت فلا تتوضأ‏)‏، ولأن النسخ لم يثبت إلا بالترك من لحم غنم، فلا عموم له، وهذا معني قول جابر‏:‏ كان آخر الأمرين منه، ترك الوضوء مما مست النار فإنه رآه يتوضأ، ثم رآه أكل لحم غنم ولم يتوضأ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم صيغة عامة في ذلك، ولو نقلها لكان فيه نسخ للخاص بالعام الذي لم يثبت شموله لذلك الخاص عينًا، وهو أصل لا يقول به أكثر المالكية والشافعية والحنبلية‏.‏
هذا، مع أن أحاديث الوضوء مما مست النار لم يثبت أنها منسوخة، بل قد قيل‏:‏ إنها متأخرة، ولكن أحد الوجهين في مذهب أحمد‏:‏ أن الوضوء منها مستحب ليس بواجب‏.‏ والوجه الآخر‏:‏ لا يستحب‏.‏
فلما جاءت السنة بتجنب الخبائث الجسمانية والتطهر منها، كذلك جاءت بتجنب الخبائث الروحانية والتطهر منها، حتى قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا قام أحدكم من الليل فليستنشق بمنخريه من الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إذا قام أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده‏؟‏‏)‏، فعلل الأمر بالغسل بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أن ذلك سبب للطهارة من غير النجاسة الظاهرة، فلا يستبعد أن يكون هو السبب لغسل يد القائم من نوم الليل‏.‏
وكذلك نهي عن الصلاة في أعطان الإبل، وقال‏:‏ ‏(‏إنها جن خلقت من جن‏)‏، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام‏)‏، وقد روي عنه‏:‏ إن الحمام بيت الشيطان، وثبت عنه‏:‏ أنه لما ارتحل عن المكان الذي ناموا فيه عن صلاة الفجر قال‏:‏ ‏(‏إنه مكان حضرنا فيه الشيطان‏)‏‏.‏
فعلل صلى الله عليه وسلم الأماكـن بالأرواح الخبيثـة، كما يعلل بالأجسام الخبيثـة، وبهـذا يقـول أحمـد وغيره من فقهاء الحديث، ومذهبه الظاهر عنه‏:‏ إن ما كان مأوي للشياطين - كالمعاطن والحمامات - حرمت الصلاة فيه‏.‏ وما عرض الشيطان فيه - كالمكان الذي ناموا فيه عن الصلاة - كرهت فيه الصلاة‏.‏
والفقهاء الذين لم ينهوا عن ذلك‏:‏ إما لأنهم لم يسمعوا هذه النصوص سماعا تثبت به عندهم، أو سمعوها ولم يعرفوا العلة، فاستبعدوا ذلك عن القياس فتأولوه‏.‏
وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذه المسائل، وأنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل، فقد غلط عليهم، وإنما توهم ذلك لما نقل عنهم‏:‏ أنهم لم يكونوا يتوضؤون مما مست النار‏.‏ وإنما المراد‏:‏ أن أكل ما مس النار ليس هو سببًا عندهم لوجوب الوضوء، والذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحوم الإبل ليس سببه مس النار، كما يقال‏:‏ كان فلان لا يتوضأ من مس الذكر‏.‏ وإن كان يتوضأ منه إذا خرج منه مذي‏.‏
ومن تمام هذا‏:‏ أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي ذر وأبي هريرة - رضي الله عنهما - وجاء من حديث غيرهما – (أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار‏)‏‏.‏ وفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الكلب الأسود والأحمر والأبيض؛ بأن الأسود شيطان‏.‏ وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الشيطان تفلت على البارحة ليقطع صلاتي، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد‏)‏ ـ الحديث، فأخبر أن الشيطان أراد أن يقطع عليه صلاته‏.‏ فهذا - أيضًا - يقتضي أن مرور الشيطان يقطع الصلاة؛ فلذلك أخذ أحمد بذلك في الكلب الأسود، واختلف قوله في المرأة والحمار؛ لأنه عارض هذا الحديث حديث عائشة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهي في قبلته، وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - لما اجتاز على أتانه بين يدي بعض الصف، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى، مع أن المتوجه أن الجميع يقطع، وأنه يفرق بين المار واللابث، كما فرق بينهما في الرجل في كراهة مروره، دون لبثه في القبلة إذا استدبره المصلي ولم يكن متحدثًا وأن مروره ينقص ثواب الصلاة دون اللبث‏.‏
واختلف المتقدمون من أصحاب أحمد في الشيطان الجني إذا علم بمروره‏:‏ هل يقطع الصلاة‏؟‏ والأوجه أنه يقطعها بتعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبظاهر قوله‏:‏ ‏(‏يقطع صلاتي‏)‏؛ لأن الأحكام التي جاءت بها السنة في الأرواح الخبيثة من الجن وشياطين الدواب في الطهارة والصلاة في أمكنتهم وممرهم، ونحو ذلك قوية في الدليل نصًا وقياسًا؛ ولذلك أخذ بها فقهاء الحديث، ولكن مدرك علمها أثرًا هو لأهل الحديث، ومدركه قياسًا هو في باطن الشريعة وظاهرها، دون التفقه في ظاهرها فقط‏.‏
ولو لم يكن في الأئمة من استعمل هذه السنن الصحيحة النافعة، لكان وصمة على الأمة ترك مثل ذلك، والأخذ بما ليس بمثله لا أثرًا ولا رأيًا‏.‏
ولقد كان أحمد - رحمه الله - يَعْجَبُ ممن يدع حديث ‏(‏الوضوء من لحوم الإبل‏)‏ ـ مع صحته التي لا شك فيها، وعدم المعارض له ـ ويتوضأ من مس الذكر ـ مع تعارض الأحاديث فيه، وأن أسانيدها ليست كأحاديث الوضوء من لحوم الإبل؛ ولذلك أعرض عنها الشيخان‏:‏ البخاري ومسلم، وإن كان أحمد - على المشهور عنه - يرجح أحاديث الوضوء من مس الذكر، لكن غرضه أن الوضوء من لحوم الإبل أقوي في الحجة من الوضوء من مس الذكر‏.‏
وقد ذكرت ما يبين أنه أَظْهر في القياس منه، فإن تأثير المخالطة أعظم من تأثير الملامسة؛ ولهذا كان كل نجس محرم الأكل، وليس كل محرم الأكل نجسًًا‏.‏
وكان أحمد يعجب ـ أيضًا ـ ممن لا يتوضأ من لحوم الإبل ويتوضأ من الضحك في الصلاة، مع أنه أبعد عن القياس والأثر، والأثر فيه مرسل، قد ضعفه أكثر الناس، وقد صح عن الصحابة ما يخالفه‏.‏
والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم، وهو تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه، أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا يقطع الصلاة شيء‏)‏ أو بما روي في ذلك عن الصحابة - وقد كان الصحابة مختلفين في هذه المسألة - أو برأي ضعيف لو صح لم يقاوم هذه الحجة، خصوصًا مذهب أحمد‏.‏
فهذا أصل في الخبائث الجسمانية والروحانية‏.‏
وأصل آخر، وهو‏:‏ أن الكوفيين قد عرف تخفيفهم في العفو عن النجاسة، فيعفون من المغلظة عن قدر الدرهم البغلي، ومن المخففة عن ربع المحل المتنجس‏.‏
والشافعي بإزائهم في ذلك، فلا يعفو عن النجاسات إلا عن أثر الاستنجاء، وونيم الذباب ونحوه، ولا يعفو عن دم ولا عن غيره، إلا عن دم البراغيث ونحوه، مع أنه ينجس أرواث البهائم وأبوالها وغير ذلك‏!‏ فقوله في النجاسات نوعًا وقدرًا أشد أقوال الأئمة الأربعة‏.‏
ومالك متوسط في نوع النجاسة وفي قدرها، فإنه لا يقول بنجاسة الأرواث والأبوال مما يؤكل لحمه، ويعفو عن يسير الدم وغيره‏.‏
وأحمد كذلك، فإنه متوسط في النجاسات، فلا ينجس الأرواث والأبوال، ويعفو عن اليسير من النجاسات التي يشق الاحتراز عنها، حتى إنه - في إحدي الروايتين عنه - يعفو عن يسير روث البغل والحمار وبول الخفاش، وغير ذلك مما يشق الاحتراز عنه، بل يعفو - في إحدي الروايتين - عن اليسير من الروث والبول من كل حيوان طاهر، كما ذكر ذلك القاضي أبويعلى في شرح المذهب، وهو مع ذلك يوجب اجتناب النجاسة في الصلاة في الجملة من غير خلاف عنه، لم يختلف قوله في ذلك كما اختلف مالك، ولو صلي بها جاهلاً أو ناسيًا لم تجب عليه الإعادة في أصح الروايتين، كقول مالك، كما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه في أثناء الصلاة لأجل الأذي الذي فيهما، ولم يستقبل الصلاة، ولما صلي الفجر فوجد في ثوبه نجاسة أمر بغسلها ولم يعد الصلاة‏.‏ والرواية الأخري‏:‏ تجب الإعادة، كقول أبي حنيفة والشافعي‏.‏
وأصل آخر في إزالتها‏:‏ فمذهب أبي حنيفة‏:‏ تزال بكل مزيل من المائعات والجامدات‏.‏
والشافعي لا يري إزالتها إلا بالماء، حتى ما يصيب أسفل الخف والحذاء والذيل لايجزئ فيه إلا الغسل بالماء، وحتى نجاسة الأرض‏.‏
ومذهب أحمد فيه متوسط، فكل ما جاءت به السنة قال به‏:‏ يجوز - في الصحيح عنه - مسحها بالتراب ونحوه من النعل ونحوه، كما جاءت به السنة، كما يجوز مسحها من السبيلين؛ فإن السبيلين بالنسبة إلى سائر الأعضاء كأسفل الخف بالنسبة إلى سائر الثياب في تكرر النجاسة على كل منها‏.‏
واختلف أصحابه في أسفل الذيل‏:‏ هل هو كأسفل الخف كما جاءت به السنة واستوائها للأثر في ذلك‏؟‏
والقياس‏:‏ إزالتها عن الأرض بالشمس والريح‏.‏‏.‏‏.‏ يجب التوسط فيه‏.‏
فإن التشديد في النجاسات جنسًا وقدرًا، هو دين اليهود، والتساهل هو دين النصاري، ودين الإسلام هو الوسط‏.‏ فكل قول يكون فيه شيء من هذا الباب يكون أقرب إلى دين الإسلام‏.‏

تابع ان شاء الله



وارجو التثبيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد المصرى
عضو قريب يولي مشرف
عضو قريب يولي مشرف


ذكر عدد الرسائل : 16
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 19/11/2011

مُساهمةموضوع: تابع    السبت نوفمبر 19, 2011 4:23 am

وأصل آخر‏:‏
وهو اختلاط الحلال بالحرام، كاختلاط المائع الطاهر بالنجس، فقول الكوفيين فيه من الشدة ما لا خفاء به‏.‏
وسر قولهم‏:‏ إلحاق الماء بسائر المائعات، وأن النجاسة إذا وقعت في مائع لم يمكن استعماله إلا باستعمال الخبث، فيحرم الجميع، مع أن تنجيس المائع - غير الماء - الآثار فيه قليلة‏.‏
وبإزائهم مالك وغيره من أهل المدينة؛ فإنهم - في المشهور - لا ينجسون الماء إلا بالتغير، ولا يمنعون من المستعمل ولا غيره، مبالغة في طهورية الماء، مع فرقهم بينه وبين غيره من المائعات‏.‏
ولأحمد قول كمذهبهم، لكن المشهور عنه التوسط بالفرق بين قليله وكثيره كقول الشافعي‏.‏
واختلف قوله في المائعات غير الماء‏:‏ هل يلحق بالماء، أو لا يلحق به كقول مالك والشافعي‏؟‏ أو يفرق بين الماء وغير الماء إلا بالتغير، ولا يمنعون من المستعمل ولا غيره، مبالغة في طهورية الماء، مع فرقهم بينه وبين غيره من المائعات‏.‏
ولأحمد قول كمذهبهم المشهور عنه التوسط بالفرق بين قليله وكثيره كقول الشافعي‏.‏
واختلف قوله في المائعات غير الماء‏:‏ هل يلحق بالماء، أو لا يلحق به كقول مالك والشافعي‏؟‏ أو يفرق بين الماء وغير الماء كخل العنب‏؟‏ على ثلاث روايات‏.‏
وفي هذه الأقوال من التوسط ـ أثرًا ونظرًا ـ ما لا خفاء به، مع أن قول أحمد الموافق لقول مالك راجح في الدليل‏.‏
وأصل آخـر‏:‏ وهو أن للناس في أجزاء الميتة التي لا رطوبة فيها ـ كالشعر والظفر والريش ـ مذاهب‏:‏ هل هو طاهر، أو نجس‏؟‏ ثلاثة أقوال‏:‏
أحدها‏:‏ نجاستها مطلقًا كقول الشافعي ورواية عن أحمد؛ بناء على أنها جزء من الميتة‏.‏
والثاني‏:‏ طهارتها مطلقًا، كقول أبي حنيفة وقول في مذهب أحمد؛ بناء على أن الموجب للنجاسة هو الرطوبات وهي إنما تكون فيما يجري فيه الدم؛ ولهذا حكم بطهارة ما لا نفس له سائلة، فما لا رطوبة فيه من الأجزاء بمنزلة ما لا نفس له سائلة‏.‏
والثالث‏:‏ نجاسة ما كان فيه حس، كالعظم؛ إلحاقًا له باللحم اليابس، وعدم نجاسة ما لم يكن فيه إلا النماء كالشعر؛ إلحاقًا له بالنبات‏.‏
وأصل آخر‏:‏ وهو طهارة الأحداث التي هي الوضوء والغسل فإن مذهب فقهاء الحديث‏:‏ استعملوا فيها من السنن ما لا يوجد لغيرهم،ويكفي المسح على الخفين وغيرهما من اللباس والحوائل‏.‏ فقد صنف الإمام أحمد كتاب ‏[‏المسح على الخفين‏]‏، وذكر فيه من النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المسح على الخفين والجوربين وعلى العمامة، بل على خُمر النساء ـ كما كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها تفعله ـ وعلى القلانس ـ كما كان أبو موسي وأنس يفعلانه ـ ما إذا تأمله العالم علم فضل علم أهل الحديث على غيرهم، مع أن القياس يقتضي ذلك اقتضاء ظاهرًا‏.‏ وإنما توقف عنه من توقف من الفقهاء؛ لأنهم قالوا بما بلغهم من الأثر، وجبنوا عن القياس ورعًا‏.‏
ولم يختلف قول أحمد فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كأحاديث المسح على العمائم والجوربين، والتوقيت في المسح، وإنما اختلف قوله فيما جاء عن الصحابة، كخمُر النساء، وكالقلانس الدنيات‏.‏
ومعلوم أن في هذا الباب من الرخصة التي تشبه أصول الشريعة وتوافق الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏.‏
واعلم أن كل من تأول في هذه الأخبار تأويلاً ـ مثل كون المسح على العمامة مع بعض الرأس هو المجزئ ونحو ذلك ـ لم يقف على مجموع الأخبار، وإلا فمن وقف على مجموعها أفادته علمًا يقينًا بخلاف ذلك‏.‏
وأصل آخر في التيمم‏:‏ فإن أصح حديث فيه، حديث عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ المصرح بأنه يجزئ ضربة واحدة للوجه والكفين، وليس في الباب حديث يعارضه من جنسه، وقد أخذ به فقهاء الحديث ـ أحمد وغيره‏.‏ وهذا أصح من قول من قال‏:‏ يجب ضربتان وإلى المرفقين؛ كقول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، أو ضربتان إلى الكوعين‏.‏
وأصل آخر في الحيض والاستحاضة‏:‏ فإن مسائل الاستحاضة من أشكل أبواب الطهارة، وفي الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنن‏:‏ سنة في المعتادة‏:‏ أنها ترجع إلى عادتها‏.‏ وسنة في المميزة‏:‏ أنها تعمل بالتمييز‏.‏ وسنة في المتحيزة ـ التي ليست لها عادة ولا تمييز ـ بأنها تتحيض غالب عادات النساء‏:‏ ستًا أو سبعًا، وأن تجمع بين الصلاتين إن شاءت‏.‏
فأما السُّـنَّتان الأولتان ففي الصحيح‏.‏ وأما الثالثة‏:‏ فحديث حَمْنَة بنت جحش، رواه أهل السنن، وصححه الترمذي‏.‏ وكذلك قد روي أبو داود وغيره في سهلة بنت سهيل بعض معناه‏.‏
وقد استعمل أحمد هذه السنن الثلاث في المعتادة المميزة والمتحيرة‏.‏ فإن اجتمعت العادة والتمييز، قدم العادة ـ في أصح الروايتين ـ كما جاء في أكثر الأحاديث‏.‏
فأما أبو حنيفة، فيعتبر العادة إن كانت، ولا يعتبر التمييز ولا الغالب، بل إن لم تكن عادة إن كانت مبتدأة حيضها حيضة الأكثر، وإلا حيضة الأقل‏.‏
ومالك يعتبر التمييز ولا يعتبر العادة ولا الأغلب، فإن لم يعتبر العادة ولا الأغلب فلا يحضها، بل تصلي أبدًا إلا في الشهر الأول، فهل تحيض أكثر الحيض، أو عادتها وتستظهر ثلاثة أيام‏؟‏ على روايتين‏.‏
والشافعي يستعمل التمييز والعادة دون الأغلب، فإن اجتمع قَدَّم التمييز، وإن عُدِم صلت أبدًا‏.‏ واستعمل من الاحتياط في الإيجاب والتحريم والإباحة ما فيه مشقة عظيمة علمًا وعملا‏.‏
فالسنن الثلاث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالات الفقهية، استعملها فقهاء الحديث، ووافقهم في كل منها طائفة من الفقهاء‏.‏
وسئل عن مسائل كثير وقوعها، ويحصل الابتلاء بها، ويحصل الضيق والحرج والعمل بها على رأي إمام بعينه‏؟‏ منها مسألة المياه اليسرة، ووقوع النجاسة فيها من غير تغير وتغييرها بالطاهرات‏؟‏
فأجاب ـ رحمه الله تعالى‏:‏
الحمد لله رب العالمين، أما مسألة تغير الماء اليسير أو الكثير بالطاهرات ـ كالأشنان والصابون والسدر والخطمي والتراب والعجين، وغير ذلك مما قد يغير الماء، مثل الإناء إذا كان فيه أثر سدر أو خطمي ووضع فيه ماء، فتغير به، مع بقاء اسم الماء ـ فهذا فيه قولان معروفان للعلماء‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه لا يجوز التطهير به، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدي الروايتين عنه التي اختارها الخرقي والقاضي، وأكثر متأخري أصحابه؛ لأن هذا ليس بماء مطلق، فلا يدخل في قوله تعالى‏:‏ ‏{فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏‏.‏ ثم إن أصحاب هذا القول استثنوا من هذا أنواعًا، بعضها متفق عليه بينهم، وبعضها مختلف فيه، فما كان من التغير حاصلاً بأصل الخلقة أو بما يشق صون الماء عنه، فهو طهور باتفاقهم‏.‏ وما تغير بالأدهان والكافور ونحو ذلك، ففيه قولان معروفان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما‏.‏ وما كان تغيره يسيرًا‏:‏ فهل يعفي عنه أو لا يعفي عنه، أو يفرق بين الرائحة وغيرها‏؟‏ على ثلاثة أوجه، إلى غير ذلك من المسائل‏.‏
والقول الثاني‏:‏ أنه لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره، ولا بما يشق الاحتراز عنه، ولا بما لا يشق الاحتراز عنه، فما دام يسمي ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورًا، كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخري عنه، وهي التي نص عليها في أكثر أجوبته‏.‏ وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قال‏:‏ ‏{وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء}‏ نكرة في سياق النفي، فيعم كل ما هو ماء، لا فرق في ذلك بين نوع ونوع‏.‏
فإن قيل‏:‏ إن المتغير لا يدخل في اسم الماء‏؟‏
قيل‏:‏ تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ ولا بين التغير الذي يمكن الاحتراز منه والذي لا يمكن الاحتراز منه، فإن الفرق بين هذا وهذا إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلىاستعمال هذا المتغير، دون هذا، فأما من جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا فرق بين هذا وهذا؛ ولهذا لو وكله في شراء ماء، أو حلف لا يشرب ماء أو غير ذلك، لم يفرق بين هذا وهذا، بل إن دخل هذا دخل هذا،وإن خرج هذا خرج هذا، فلما حصل الاتفاق على دخول المتغير تغيرًا أصليا، أو حادثًا بما يشق صونه عنه، علم أن هذا النوع داخل في عموم الآية‏.‏ وقد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر‏:‏ ‏(‏هو الطهور ماؤه، الحل ميتته‏)‏ والبحر متغير الطعم تغيرًا شديدًا؛ لشدة ملوحته‏.‏ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن ماءه طهور ـ مع هذا التغير ـ كان ما هو أخف ملوحة منه أولي أن يكون طهورًا، وإن كان الملح وضع فيه قصدًا؛ إذ لا فرق بينهما في الاسم من جهة اللغة‏.‏ وبهذا يظهر ضعف حجة المانعين؛ فإنه لو استقي ماء، أو وكله في شراء ماء لم يتناول ذلك ماء البحر، ومع هذا فهو داخل في عموم الآية، فكذلك ما كان مثله في الصفة‏.‏
وأيضًا، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل المحرم بماء وسدر‏.‏ وأمر بغسل ابنته بماء وسدر‏.‏ وأمر الذي أسلم أن يغتسل بماء وسِدر‏.‏ ومن المعلوم‏:‏ أن السدر لابد أن يغير الماء، فلو كان التغير يفسد الماء لم يأمر به‏.‏
وقـول القائل‏:‏ إن هذا تغير في محل الاستعمال، فلا يؤثر، تفريق بوصف غير مؤثر، لا في اللغـة ولا في الشرع؛ فإن المتغير إن كان يسمي ماء مطلقًا، وهو على البدن، فيسمي مـاء مطلقًا وهـو في الإنـاء‏.‏ وإن لم يسـم مـاء مطلقًا في أحدهما، لم يسم مطلقًا في الموضـع الآخـر فإنـه مـن المعلـوم أن أهـل اللغة لا يفرقون في التسمية بين محل ومحل‏.‏
وأمـا الشـرع‏:‏ فـإن هـذا فرق لم يـدل عليه دليـل شـرعي، فـلا يلتفت اليه‏.‏ والقياس عليه إذا جمـع أو فرق، أن يبين أن مـا جعلـه مناط الحكم جمعًا أوفرقًا مما دل عليه الشـرع، وإلا فمـن علـق الأحكام بأوصاف ـ جمعًا وفرقًـا بغير دليل شرعي ـ كان واضعًـا لشرع من تلقاء نفسه، شارعًا في الدين ما لم يأذن به الله‏.‏
ولهذا كان على القائس أن يبين تأثير الوصف المشترك الذي جعله مناط الحكم، بطريق من الطرق الدالة على كون الوصف المشترك هو علة الحكم‏.‏ وكذلك في الوصف الذي فرق فيه بين الصورتين، عليه أن يبين تأثيره بطريق من الطرق الشرعية‏.‏
وأيضا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ توضأ من قصعة فيها أثـر العجين، ومن المعلوم أنـه لابد ـ في العادة ـ من تغير الماء بذلك، لاسيما في آخر الأمر، إذا قل الماء وانحل العجين‏.‏
فإن قيل‏:‏ ذلك التغير كان يسيرًا‏؟‏
قيل‏:‏ وهـذا ـ أيضًا ـ دليل في المسألة؛ فـإنـه إن سـوَّي بين التغـير اليسـير والكثير مطلقًا، كان مخالفًا للنص‏.‏ وإن فرق بينهما، لم يكن للفرق بينهما حد منضبط، لا بلغة ولا شـرع، ولا عقـل ولا عـرف، ومن فرق بين الحـلال والحرام بفرق غير معلوم لم يكـن قولـه صحيحًا‏.‏
وأيضًا، فإن المانعين مضطربون اضطرابًا يدل على فساد أصل قولهم، منهم من يفرق بين الكافور والدهن وغيره، ويقول‏:‏ إن هذا التغير عن مجاورة لا عن مخالطة‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ بل نحن نجد في الماء أثر ذلك، ومنهم من يفرق بين الورق الربيعي والخريفي، ومنهم من يسوي بينهما، ومنهم من يسوي بين الملحين‏:‏ الجبلي والمائي‏.‏ ومنهم من يفرق بينهما‏.‏
وليس على شيء من هذه الأقوال دليل يعتمد عليه، لا من نص ولا قياس ولا إجماع؛ إذ لم يكن الأصل الذي تفرعت عليه مأخوذًا من جهة الشرع، وقد قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ‏:‏ ‏{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 82‏]‏، وهذا بخلاف ما جاء من عند الله، فإنه محفوظ، كما قال تعالى‏:‏ ‏{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 9‏]‏،
تابع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد المصرى
عضو قريب يولي مشرف
عضو قريب يولي مشرف


ذكر عدد الرسائل : 16
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 19/11/2011

مُساهمةموضوع: تابع   السبت نوفمبر 19, 2011 4:26 am

فدل ذلك على ضعف هذا القول‏.‏
وأيضًا، فإن القول بالجواز موافق للعموم اللفظي والمعنوي، مدلول عليه بالظواهر والمعاني، فإن تناول اسم الماء لمواقع الإجماع، كتناوله لموارد النزاع في اللغة، وصفات هذا كصفات هذا في الجنس، فتجب التسوية بين المتماثلين‏.‏
وأيضًا، فإنه على قول المانعين، يلزم مخالفة الأصل، وترك العمل بالدليل الشرعي لمعارض راجح؛ إذ كان يقتضي القياس عندهم أنه لا يجوز استعمال شيء من المتغيرات في طهارتي الحدث والخبث، لكن استثني المتغير بأصل الخلقة، وبما يشق صون الماء عنه للحرج والمشقة فكان هذا موضع استحسان ترك له القياس، وتعارض الأدلة على خلاف الأصل‏.‏ وعلى القول الأول‏:‏ يكون رخصة ثابتة على وفق القياس من غير تعارض بين أدلة الشرع، فيكون هذا أقوي‏.‏
فصْــل
وأما الماء إذا تغير بالنجاسات، فإنه ينجس بالاتفاق‏.‏
وأما ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة‏:‏
أحدها‏:‏ لا ينجس‏.‏ وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك وكثير من أهل الحديث، وإحدي الروايات عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ونصرها ابن عقيل في المفردات، وابن البناء وغيرهما‏.‏
والثاني‏:‏ ينجس قليل الماء بقليل النجاسة، وهي رواية البصريين عن مالك‏.‏
والثالث‏:‏ وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخري اختارها طائفة من ـ أصحابه ـ الفرق بين القُلتَّينٍ وغيرهما‏.‏ فمالك لا يحد الكثير بالقلتين، والشافعي وأحمد يحدان الكثير بالقلتين‏.‏
والرابع‏:‏ الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرهما، فالأول ينجس منه ما أمكن نزحه، دون ما لم يمكن نزحه، بخلاف الثاني فإنه لا ينجس القلتين فصاعداً‏.‏ وهذا أشهر الروايات عن أحمد، واختيار أكثر أصحابه‏.‏
والخامس‏:‏ أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة، سواء كان قليلا أو كثيراً وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، لكن ما لم يصل اليه لا ينجسه‏.‏
ثم حدوا ما لا يصل اليه‏:‏ بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر‏.‏
ثم تنازعوا‏:‏ هل يحد بحركة المتوضئ أو المغتسل‏؟‏ وقدر ذلك محمد بن الحسن بمسجده، فوجدوه عشرة أذرع في عشرة أذرع‏.‏
وتنازعوا في الآبار إذا وقعت فيها نجاسة‏:‏ هل يمكن تطهيرها‏؟‏ فزعم المُزَني‏:‏ أنه لا يمكن‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يمكن تطهيرها بالنزح، ولهم في تقدير الدِّلاء أقوال معروفة‏.‏
والسادس ‏:‏ قول أهل الظاهر، الذين ينجسون ما بال فيه البائل، دون ما ألقي فيه البول، ولا ينجسون ما سوى ذلك إلا بالتغيُّر‏.‏
وأصل هذه المسألة من جهة المعني‏:‏ أن اختلاط الخبيث ـ وهو النجاسة ـ بالماء هل يوجب تحريم الجميع، أم يقال‏:‏ بل قد استحال في الماء، فلم يبق له حكم‏؟‏
فالمنجِّسون ذهبوا إلى القول الأول، ثم من استثنى الكثير قال‏:‏ هذا يشق الاحتراز من وقوع النجاسة فيه، فجعلوا ذلك موضع استحسان، كما ذهب إلى ذلك طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد‏.‏
وأما أصحاب أبي حنيفة، فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها، وقدروه بالحركة أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق‏.‏
والصواب‏:‏ هو القول الأول، وأنه متى علم أن النجاسة قد استحالت فالماء طاهر، سواء كان قليلا أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كلها؛ وذلك لأن اللّه ـ تعالى ـ أباح الطيبات وحرم الخبائث، والخبيث متميز عن الطيب بصفاته، فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيب دون الخبيث، وجب دخوله في الحلال دون الحرام‏.‏
وأيضًا، فقد ثبت من حديث أبي سعيد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له‏:‏ أنتوضأ من بئر بُضَاعَة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏الماء طهور، لا ينجسه شيء‏)‏، قال أحمد‏:‏ حديث بئر بُضَاعَة صحيح‏.‏ وهو في المسند ـ أيضًا ـ عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الماء طَهور لا ينجسه شيء‏)‏، وهذا اللفظ عام في القليل والكثير، وهو عام في جميع النجاسات‏.‏
وأما إذا تغير بالنجاسة، فإنما حرم استعماله؛ لأن جرم النجاسة باق‏.‏ ففي استعماله استعمالها، بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور، وليس هناك نجاسة قائمة‏.‏
ومما يُبين ذلك‏:‏ أنه لو وقع خمر في ماء واستحالت، ثم شربها شارب لم يكن شاربًا للخمر، ولم يجب عليه حد الخمر؛ إذ لم يبق شيء من طعمها ولونها وريحها، ولو صب لبن امرأة في ماء واستحال حتى لم يبق له أثر وشرب طفل ذلك الماء، لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك‏.‏
وأيضًا، فإن هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏، فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه‏.‏
فإن قيل‏:‏ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهي عن البول في الماء الدائم وعن الاغتسال فيه‏.‏
قيل‏:‏ نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، بل قد يكون نهيه سدا للذريعة؛ لأن البول ذريعة إلى تنجيسه؛ فإنه إذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول، فكان نهيه سدا للذريعة‏.‏ أو يقال‏:‏ إنه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه‏.‏
وأيضًا، فيـدل نهيـه عـن البـول في المـاء الدائم أنه يعـم القليـل والكثـير فيقال لصاحب القلتين‏:‏ أتجوز بوله فيما فوق القلتين‏؟‏ إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص؛ وإن حرمته فقد نقضت دليلك‏.‏
وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه وما لا يمكن‏:‏ أتسوغ للحجاج أن يبولوا في المصانع المبنية بطريق مكة‏؟‏ إن جوزته خالفت ظاهر النص؛ فإن هذا ماء دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير وإلا نقضت قولك‏.‏
وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع‏:‏ إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق أتسوغ لأهل القرية البول فيه‏؟‏ فإن سوغته خالفت ظاهر النص وإلا نقضت قولك، فإذا كان النصـ بل والإجماع ـ دل على أنه نهي عن البول فيما ينجسه البول، بل تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير، كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير مستقلا بالنهي، فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة، ولا يجوز أن يقال‏:‏ إنه صلى الله عليه وسلم إنما نهي عن البول فيه؛ لأن البول ينجسه، فإن هذا خلاف النص والإجماع‏.‏
وأما من فرق بين البول فيه وبين صب البول فقوله ظاهر الفساد؛ فإن صب البول أبلغ من أن ينهي عنه من مجرد البول؛ إذا الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول، وأما صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه‏.‏
فإن قيل‏:‏ ففي حديث القلتين أنه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال‏:‏ ‏(‏إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث‏)‏، وفي لفظ|‏:‏ ‏(‏لم ينجسه شيء‏)‏، قيل‏:‏ حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع، وبُيِّن أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
وَسئل ـ رحمه الله‏:‏ عن الماء الكثير إذا تغير لونه بمكثه، أو تغير لونه وطعمه ولا الرائحة‏:‏ فهل يكون طهورًا ‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، أما ما تغير بمكثه ومقره، فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء، وأما النهر الجاري، فإن علم أنه متغير بنجاسة، فإنه يكون نجسا، فإن خالطه ما يغيره من طاهر ونجس وشك في التغير‏:‏ هل هو بطاهر أو نجس، لم يحكم بنجاسته بمجرد الشك‏.‏
والأغلب أن هذه الأنهار الكبار، لا تتغير بهذه القني التي عليها، لكن إذا تبين تغيره بالنجاسة، فهو نجس، وإن كان متغيرًا بغير نجس، ففي طهوريته القولان المشهوران‏.‏ واللّه أعلم‏.‏
وَسُئِلَ‏:‏ عن بئر كثير الماء وقع فيه كلب ومات، وبقي فيه حتى انهرى جلده وشعره، ولم يغير من الماء وصفًا قط، لا طعم ولا لون ولا رائحة ‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، هو طاهر عند جماهير العلماء ـ كمالك والشافعي وأحمد ـ إذا بلغ الماء قلتين، وهما نحو القربتين، فكيف إذا كان أكثر من ذلك‏؟‏ وشعر الكلب في طهارته نزاع بين العلماء؛ فإنه طاهر في مذهب مالك، ونجس في مذهب الشافعي، وعن أحمد روايتان‏.‏ فإذا لم يعلم أن في الدلو الصاعد شيئًا من شعره، لم يحكم بنجاسته بلا ريب‏.‏
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له‏:‏ يارسول اللّه، إنك تتوضأ من بئر بُضَاعَة وهي بئر تلقي فيها الحيض، ولحوم الكلاب، وعذر الناس‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏الماء طهور لا ينجسه شيء‏)‏، وبئر بُضَاعَة واقعة معروفة في شرقي المدينة، باقية إلى اليوم، ومن قال‏:‏إنها كانت جارية، فقد أخطأ؛ فإنه لم يكن على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة عين جارية، بل الزرقاء وعيون حمزة حدثتا بعد موته‏.‏ واللّه أعلم ‏.‏
وَسئل ـ رَحمه اللّه تعالى ‏:‏ عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة ثم مات فيها، وذهب شعره وجلده ولحمه، وهو فوق القلتين، فكيف يصنع به ‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، أي بئر وقع فيه شيء مما ذكر أو غيره، إن كان الماء لم يتغير بالنجاسة فهو طاهر‏.‏ فإن كانت عين النجاسة باقية، نزحت منه وألقيت وسائر الماء طاهر‏.‏ وشعر الكلب والخنزير إذا بقي في الماء، لم يضره ذلك في أصح قولي العلماء، فإنه طاهر في أحد أقوالهم، وهو إحدى الروايتين عند أحمد، وهذا القول أظهر في الدليل، فإن جميع الشعر والريش والوبر والصوف طاهر، سواء كان على جلد ما يؤكل لحمه، أو جلد ما لا يؤكل لحمه، وسواء كان على حي أو ميت‏.‏هذا أظهر الأقوال للعلماء؛ وهو إحدى الروايات عن أحمد‏.‏
وأما إن كان الماء قد تغير بالنجاسة، فإنه ينزح منه حتى يطيب، وإن لم يتغير الماء لم ينزح منه شيء، فإنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنك تتوضأ من بئر بُضَاعَة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏الماء طهور لا ينجسه شيء‏)‏‏.‏
وقد بسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع‏.‏ واللّه أعلم‏.‏
وَسُئِلَ‏:‏ عن بئر سقطت فيه دجاجة ثم ماتت‏:‏ هل ينجس أم لا ‏؟‏
فأجاب‏:‏
إذا لم يتغير الماء لم ينجس‏.‏ واللّه أعلم‏.‏
وَسُئِلَ ‏:‏ عن البئر تكون في وسط البلد فيتغير لونه بالزِّبْل، فيصير أصفر، وهو روث ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وربما صار فيه اللحمة‏:‏ هل ينجس أم لا ‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، إن كان الزِّبْل مما يؤكل لحمه، فهو طاهر عند جمهور العلماء ـ كمالك وأحمد ابن حنبل ـ وقد دلت على ذلك الدلائل الشرعية الكثيرة، كما قد بسط القول في ذلك، وذكر فيه بضعة عشر حجة‏.‏
وأما ما تيقن أن تغيره بالنجاسة، فإنه ينجس، وإن شك‏:‏ هل الروث روث ما يؤكل لحمه أو روث ما لا يؤكل لحمه‏؟‏ ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره‏.‏ واللّه أعلم‏.‏
وَ سئل رَحمه اللّه ‏:‏ عن الماء الجاري إذا كان مُزَبَّلا ‏:‏ هل يجوز الوضوء به‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، إذا لم يتيقن أنه مُزَبَّل بزبل نجس، جاز أن يكون طاهرا وجاز أن يكون نجسا، فجاز الوضوء به في إحدى الروايتين في مذهب أحمد وغيره‏.‏
وَسئل ـ رَحمه اللّه ‏:‏ عن القلتين‏:‏ هل حديثه صحيح أم لا‏؟‏ ومن قال‏:‏ إنه قلة الجبل، وفي سؤر الهرة إذا أكلت نجاسة ثم شربت من ماء دون القلتين‏:‏ هل يجوز الوضوء به أم لا ‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له‏:‏ إنك تتوضأ من بئر بُضَاعَة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏الماء طَهور لا ينجسه شيء‏)‏، وبئر بضاعة ـ باتفاق العلماء وأهل العلم بها ـ هي بئر ليست جارية، وما يذكر عن الواقدي من أنها جارية، أمر باطل، فإن الواقدي لا يحتج به باتفاق أهل العلم، ولا ريب أنه لم يكن بالمدينة على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ماء جار، وعين الزرقاء وعيون حمزة محدثة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وبئر بُضَاعَة باقية إلى اليوم في شرقي المدينة، وهي معروفة‏.‏
وأما حديث القلتين، فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به‏.‏ وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه، وصنف أبو عبداللّه محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءا رد فيه ما ذكره ابن عبد البر وغيره‏.‏
وأما لفظ القلة، فإنه معروف عندهم أنه الجرة الكبيرة كالجب، وكان صلى الله عليه وسلم يمثل بهما، كما في الصحيحين أنه قال في سدرة المنتهي‏:‏ ‏(‏وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها مثل قلال هجر‏)‏، وهي قلال معروفة الصفة والمقدار، فإن التمثيل لا يكون بمختلف متفاوت‏.‏
وهذا مما يبطل كون المراد قلة الجبل؛ لأن قلال الجبال فيها الكبار والصغار، وفيها المرتفع كثيرًا، وفيها ما هو دون ذلك، وليس في الوجود ماء يصل إلى قلال الجبل إلا ماء الطوفان، فَحَمْل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على مثل هذا يشبه الاستهزاء بكلامه‏.‏
ومن عادته صلى الله عليه وسلم أنه يقدر المقدرات بأوعيتها، كما قال ‏:‏ ‏(‏ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة‏)‏، والوسق حمل الجمل، وكما كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وذلك من أوعية الماء، وهكذا تقدير الماء بالقلال مناسب، فإن القلة وعاء الماء‏.‏
وأما الهرة، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات‏)‏‏.‏
وتنازع العلماء فيما إذا أكلت فأرة ونحوها، ثم ولغت في ماء قليل على أربعة أقوال في مذهب أحمد وغيره‏:‏ قيل‏:‏ إن الماء طاهر مطلقًا‏.‏ وقيل‏:‏ نجس مطلقًا حتى تعلم طهارة فمها‏.‏ وقيل‏:‏ إن غابت غيبة يمكن فيها ورودها على ما يطهر فمها كان طاهرًا، وإلا فلا‏.‏ وهذه الأوجه في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما‏.‏ وقيل‏:‏ إن طال الفصل كان طاهرا، جعلا لريقها مطهرا لفمها لأجل الحاجة، وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة وأحمد، وهو أقوي الأقوال
واللّه أعلم‏.‏
وَسُئِلَ‏:‏ عن رجل غمس يده في الماء قبل أن يغسلها من قيامه من نوم الليل‏:‏ فهل هذا الماء يكون طهورًا‏؟‏ وما الحكمة في غسل اليد إذا باتت طاهرة‏؟‏ أفتونا مأجورين‏.‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، أما مصيره مستعملا لا يتوضأ به فهذا فيه نزاع مشهور، وفيه روايتان عن أحمد، اختار كل واحدة طائفة من أصحابه، فالمنع اختيار أبي بكر والقاضي وأكثر أتباعه، ويروي ذلك عن الحسن وغيره‏.‏
والثانية‏:‏ لا يصير مستعملا، وهي اختيار الخرقي وأبي محمد وغيرهما، وهو قول أكثر الفقهاء‏.‏
وأما الحكمة في غسل اليد ففيها ثلاثة أقوال‏:‏
أحدها‏:‏ أنه خوف نجاسة تكون على اليد، مثل مرور يده موضع الاستجمار مع العرق، أو على زَبْلة ونحو ذلك‏.‏
والثاني‏:‏ أنه تَعَبُّد ولا يعقل معناه‏.‏
والثالث‏:‏ أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه من الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه‏)‏، فأمر بالغسل معللا بمبيت الشيطان على خيشومه؛ فَعُلِم أن ذلك سبب للغسل عن النجاسة، والحديث معروف‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده‏)‏ يمكن أن يراد به ذلك؛ فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار‏.‏ واللّه أعلم‏.‏
وَقَالَ ـ رضي اللّه عَنهُ‏:‏

تابع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد المصرى
عضو قريب يولي مشرف
عضو قريب يولي مشرف


ذكر عدد الرسائل : 16
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 19/11/2011

مُساهمةموضوع: تابع   السبت نوفمبر 19, 2011 4:27 am

فصــل
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن يغمس القائم من نوم الليل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا، فهو لا يقتضي تنجيس الماء بالاتفاق، بل قد يكون لأنه يوثر في الماء أثرًا وأنه قد يفضي إلى التأثير، وليس ذلك بأعظم من النهي عن البول في الماء الدائم، وقد تقدم أنه لا يدل على التنجيس‏.‏
وأيضًا، ففي الصحيحين عن أبي هريرة‏:‏‏(‏إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر بمنخريه من الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه‏)‏، فعلم أن ذلك الغسل ليس مسببًا عن النجاسة، بل هو معلل بمبيت الشيطان على خيشومه‏.‏ والحديث المعروف‏:‏ ‏(‏فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده‏)‏ يمكن أن يراد به ذلك، فتكون هذه العلة من العلل الموثرة التي شهد لها النص بالاعتبار‏.‏
وأما نهيه عن الاغتسال فيه بعد البول، فهذا ـ إن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فهو كنهيه عن البول في المستحم، وقوله‏:‏ ‏(‏فإن عامة الوسواس منه‏)‏؛ فإنه إذا بال في المستحَم ثم اغتسل حصل له وسواس، وربما بقي شيء من أجزاء البول فعاد عليه رشاشه، وكذلك إذا بال في الماء ثم اغتسل فيه فقد يغتسل قبل الاستحالة مع بقاء أجزاء البول؛ فنهي عنه لذلك‏.‏
ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم ـ إن صح ـ يتعلق بمسألة الماء المستعمل، وهذا قد يكون لما فيه من تقدير الماء على غيره، لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته مستعملاً؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الماء لا يجنب‏)‏‏.‏
وَسئل ـ أيضًا ـ رحمه اللّه ـ عن الماء إذا غمس الرجل يده فيه‏:‏ هل يجوز استعماله أم لا‏؟‏
فأجاب‏:‏
لا ينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وعنه رواية أخري‏:‏ أنه يصير مستعملاً‏.‏ واللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم‏.‏
وَسُئِلَ ‏:‏ عن الرجل يغتسل إلى جانب الحوض أو الجُرْنِ في الحمام وغيره وهو ناقص، ثم يرجع بعض الماء من على بدنه إلى الجرن‏:‏ هل يصير ذلك الماء مستعملا أم لا‏؟‏ وكذلك الجنب إذا وضع يده في الماء أو الجُرْنِ‏:‏ هل يصير مستعملا أم لا‏؟‏ وعن مقدار الماء الذي إذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا، وعن الطاسة التي تحط على أرض الحمام، والماء المستعمل جار عليها، ثم يغترف بها من الجرن الناقص من غير أن تغسل، أفتونا مأجورين‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد للّه، ما يصير من بدن المغتسل أو المتوضئ من الرشاش في إناء الطهارة لا يجعله مستعملاً‏.‏
وكذلك غمس الجنب يده في الإناء والجُرْنِ الناقص لا يصير مستعملاً‏.‏
وأما مقدار الماء الذي إذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا إذا كان كثيرًا مقدار قلتين‏.‏
وأما الطاسة التي توضع على أرض الحمام فالماء المستعمل طاهر لا ينجس إلا بملاقاة النجاسة، فالأصل في الأرض الطهارة حتى تعلم نجاستها، لاسيما ما بين يدي الحياض الفائضة في الحمامات، فإن الماء يجري عليها كثيرًا‏.‏ واللّه أعلم‏.‏
وَسُـئِلَ ‏:‏ عـن رجـل تدركه الصلاة وهو في مدرسة، فيجد في المدارس بركا فيها ماء له مـدة كثيرة، ومثـل مـاء الحمام الذي في الحوض‏.‏ فهـل يجوز من ذلك الوضوء والطهارة أم لا‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه رب العالمين، قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، كحديث عائشة، وأم سلمة، وميمونة، وابن عمر ـ رضي اللّه عنهم ـ ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد، حتى يقول لها‏:‏ ‏(‏أبقي لي‏)‏ وتقول هي‏:‏ أبق لي‏.‏
وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عمر قال‏:‏ كان الرجال والنساء يغتسلون على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من إناء واحد‏.‏ ولم يكن بالمدينة على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ماء جار ولا حمام‏.‏ فإذا كانوا يتوضؤون جميعًا ويغتسلون جميعًا من إناء واحد بقدر الفَرْق والفَرْقُ‏:‏ مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع، أو ستة عشر رطلاً، وهو بضعة عشر رطلا بالمصري أو أقل، وليس لهم ينبوع ولا أنبوب، فتوضؤهم واغتسالهم جميعًا من حوض الحمام أولي وأحري، فيجوز ذلك ـ وإن كان الحوض ناقصًا والأنبوب مسدودًا ـ فكيف إذا كان الأنبوب مفتوحًا‏؟‏ وسواء فاض أو لم يفض‏.‏
وكذلك برك المدارس، ومن منع غيره حتى ينفرد وحده بالاغتسال فهو مبتدع مخالف للسنة‏.‏
وَسُئِلَ شيخُ الإسلام ‏:‏ عن هؤلاء الذين يعبرون إلى الحمام، فإذا أرادوا أن يغتسلوا من الجنابة وقف واحد منهم على الطهور وحده، ولا يغتسل أحد معه حتى يفرغ واحدًا بعد واحد، فهل إذا اغتسل معه غيره لا يطهر‏؟‏ وإن تطهر من بقية أحواض الحمام فهل يجوز ـ وإن كان الماء بائتا فيها ‏؟‏ وهل الماء الذي يتقاطر من على بدن الجنب من الجماع طاهر أو نجس‏؟‏ وهل ماء الحمام ـ عند كونه مسخنًا بالنجاسة ـ نجس أم لا ‏؟‏ وهل الزنبور الذي يكون في الحمام أيام الشتاء هو من دخان النجاسة يتنجس به الرجل إذا اغتسل وجسده مبلول أم لا ‏؟‏ والماء الذي يجري في أرض الحمام من اغتسال الناس طاهر أم نجس‏؟‏ أفتونا ليزول الوسواس‏.‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، قد ثبت في الصحيحين عن عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ ‏:‏ أنها كانت تغتسل هي ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يغترفان جميعًا‏.‏ وفي رواية‏:‏ أنها كانت تقول‏:‏ دع لي ويقول هو‏:‏ ‏(‏دعي لي‏)‏ من قلة الماء ‏.‏وثبت ـ أيضًا ـ في الصحيح أنه كان يغتسل هو وغير عائشة من أمهات المؤمنين من إناء واحد، مثل ميمونة بنت الحارث وأم سلمة‏.‏ وثبت عن عائشة أنها قالت‏:‏ كنت أغتسل أنا ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم من إناء واحد قدر الفَرْق والفَرْقُ‏:‏ مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع، أو ستة عشر رطلاً ـ بالرطل العراقي القديم ـ ستة عشر رطلا، وبالرطل المصري أقل من خمسة عشر رطلًا‏.‏ وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع‏.‏ وثبت في الصحيح عن ابن عمر أنه قال‏:‏ كان الرجال والنساء على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتوضؤون من ماء واحد‏.‏
وهذه السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا بمدينته على عهده دلت على أمور‏:‏
أحدها‏:‏ هو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد، وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر‏.‏ وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم، أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز، كما ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة‏.‏ وإنما تنازع العلماء فيما إذا انفردت المرأة بالاغتسال أو خلت به‏:‏ هل ينهي الرجل عن التطهر بسؤرها ‏؟‏ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره‏:‏
أحدها‏:‏ لا بأس بذلك مطلقًا‏.‏
والثاني ‏:‏ يكره مطلقًا‏.‏
والثالث ‏:‏ ينهي عنه إذا خلت به، دون ما انفردت به ولم تخل به‏.‏ وقد روي في ذلك أحاديث في السنن وليس هذا موضع هذه المسألة‏.‏
فأما اغتسال الرجال والنساء جميعا من إناء واحد، فلم يتنازع العلماء في جوازه، وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعًا، فاغتسال الرجال دون النساء جميعًا، أو النساء دون الرجال جميعًا أولي بالجواز، وهذا مما لا نزاع فيه‏.‏ فمن كره أن يغتسل معه غيره، أو رأي أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده، فقد خرج عن إجماع المسلمين، وفارق جماعة المؤمنين‏.‏
يوضح ذلك أن الآنية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه والرجال والنساء يغتسلون منها كانت آنية صغيرة، ولم يكن لها مادة لا أنبوب ولا غيره، ولم يكن يفيض‏.‏فاذا كان تطهر الرجال والنساء جميعًا من تلك الآنية جائزًا، فكيف بهذه الحياض التي في الحمامات وغير الحمامات التي يكون الحوض أكبر من قلتين‏؟‏ فإن القلتين أكثر ما قيل فيهما ـ على الصحيح ـ‏:‏ أنهما خمسمائة رطل بالعراقي القديم، فيكون هذا الرطل المصري أكثر من ذلك بعشرات من الأرطال؛ فإن الرطل العراقي القديم مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، وهذا الرطل المصري مائة وأربعة وأربعون درهما، يزيد على ذلك بخمسة عشر درهما وثلاثة أسباع درهم، وذلك أكثر من أوقية وربع مصرية، فالخمسمائة رطل بالعراقي أربعة وستون ألف درهم، ومائتا درهم، وخمسة وثمانون درهما، وخمسة أسباع درهم وذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم‏:‏ مائة وسبعة أرطال وسبع رُطْل‏.‏ وهذا الرطل المصري‏:‏ أربعمائة رطل وستة وأربعون رطلا وكسر أوقية، ومساحة القلتين ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضًا وعمقًا، ومعلوم أن غالب هذه الحياض التي في الحمامات المصرية وغير الحمامات أكثر من هذا المقدار بكثير، فإن القلة نحو من هذه القرب الكائنة التي تستعمل بالشام ومصر، فالقلتان قربتان بهذه القرب، وهذا كله تقريب ـ بلا ريب ـ فإن تحديد القلتين إنما هو بالتقريب على أصوب القولين، ومعلوم أن هذه الحياض فيها أضعاف ذلك، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتطهر هو وأزواجه من تلك الآنية، فكيف بالتطهر من هذه الحياض‏؟‏
الأمر الثاني‏:‏ أنه يجوز التطهر من هذه الحياض سواء كانت فائضة أو لم تكن، وسواء كانت الأنبوب تصب فيها أو لم تكن، وسواء كان الماء بائتا فيها أو لم يكن، فإنها طاهرة، والأصل بقاء طهارتها، وهي ـ بـكل حال ـ أكثر ماء من تلك الآنية الصغار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون منها، ولم تكن فائضة ولا كان بها مادة من أنبوب ولا غيره‏.‏
ومن انتظر الحوض حتى يفيض، ولم يغتسل إلا وحده، واعتقد ذلك دينًا، فهو مبتدع مخالف للشريعة، مستحق للتعزير الذي يردعه وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به اللّّه، ويعبدون اللّه باعتقادات فاسدة وأعمال غير واجبة ولا مستحبة‏.‏
الأمر الثالث‏:‏ الاقتصاد في صب الماء، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع‏.‏ والصاع أكثر ما قيل فيه‏:‏ إنه ثمانية أرطال بالعراقي كما قال أبو حنيفة، وأما أهل الحجاز وفقهاء الحديث ـ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ـ فعندهم أنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي‏.‏ وحكاية أبي يوسف مع مالك في ذلك مشهورة لما سأله عن مقدار الصاع والمد، فأمر أهل المدينة أن يأتوه بصيعانهم حتى اجتمع عنده منها شيء كثير، فلما حضر أبو يوسف قال مالك لواحد منهم‏:‏ من أين لك هذا الصاع‏؟‏ قال‏:‏ حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي به صدقة الفطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الآخر‏:‏ حدثتني أمي عن أمها أنها كانت تؤدي به، ـ يعني‏:‏ صدقة حديقتها ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الآخر نحو ذلك‏.‏ وقال الآخر نحو ذلك‏.‏ فقال مالك لأبي يوسف‏:‏ أتري هؤلاء يكذبون‏؟‏ قال‏:‏ لا، والله ما يكذب هؤلاء، قال مالك‏:‏ فأنا حررت هذا برطلكم يا أهل العراق‏!‏ فوجدته خمسة أرطال وثلثًا، فقال أبو يوسف لمالك‏:‏ قد رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأي صاحبي ما رأيت، لرجع كما رجعت‏.‏ فهذا النقل المتواتر عن أهل المدينة بمقدار الصاع والمد‏.‏
وقد ذهب طائفة من العلماء ـ كابن قتيبة، والقاضي أبي يعلى في تعليقه وجدي أبي البركات ـ إلى أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث، وصاع الماء ثمانية، واحتجوا بحجج‏:‏ منها خبر عائشة‏:‏ أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرق، والفرق ستة عشر رطلاً بالعراقي، والجمهور على أن الصاع والمد في الطعام والماء واحد، وهو أظهر، وهذا مبسوط في موضعه‏.‏
والمقصود هنا أن مقدار طهور النبي صلى الله عليه وسلم في الغسل ما بين ثمانية أرطال عراقية إلى خمسة وثلث، والوضوء ربع ذلك، وهذا بالرطل المصري أقل من ذلك‏.‏
وإذا كان كذلك، فالذي يكثر صب الماء حتى يغتسل بقنطار ماء أو أقل أو أكثر، مبتدع مخالف للسنة، ومن تدين به عوقب عقوبة تزجره وأمثاله عن ذلك كسائر المتدينين بالبدع المخالفة للسنة، وهذا كله بين في هذه الأحاديث‏.‏
فإن قيل‏:‏ إنما يفعل نحو هذا؛ لأن الماء قد يكون نجسًا أو مستعملًا، بأن تكون الآنية مثل الطاسة اللاصقة بالأرض قد تنجست بما على الأرض من النجاسة، ثم غرف بها منه، أو بأن الجنب غمس يده فيه فصار الماء مستعملاً، أو قطر عليه من عرق سقف الحمام النجس، أو المحتمل للنجاسة، أو غمس بعض الداخلين أعضاءه فيه وهي نجسة فنجسته، فلاحتمال كونه نجسًا أو مستعملًا، احتطنا لديننا وعدلنا إلى الماء الطهور بيقين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏دع ما َيِريبُكَ إلى ما لا يريبك‏)‏، ولقوله‏:‏ ‏(‏من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه‏)‏‏.‏
قيل‏:‏ الجواب عن هذا من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه، ليس مستحبًا ولا مشروعًا، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك، بل المشروع أن يُبْنَي الأمر على الاستصحاب، فإن قام دليل على النجاسة نجسناه، وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة، وأما إذا قامت أمارة ظاهرة، فذاك مقام آخر‏.‏
والدليل القاطع‏:‏ أنه مازال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون يتوضؤون ويغتسلون ويشربون من المياه التي في الآنية والدَّلاَءِ الصغار والحياض وغيرها مع وجود هذا الاحتمال، بل كل احتمال لا يستند إلى أمارة شرعية لم يلتفت إليه؛ وذلك أن المحرمات نوعان‏:‏ محرم لوصفه، ومحرم لكسبه‏.‏ فالمحرم لكسبه كالظلم والربا والميسر، والمحرم لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به‏.‏ والأول أشد تحريمًا والتورع فيه مشهور، ولهذا كان السلف يحترزون في الأطعمة والثياب من الشبهات الناشئة من المكاسب الخبيثة‏.‏
وأما الثاني‏:‏ فإنما حرم؛ لما فيه من وصف الخبث، وقد أباح الله لنا طعام أهل الكتاب مع إمكان ألا يذكوه التذكية الشرعية أو يسمُّوا عليه غير الله،وإذا علمنا أنهم سموا عليه غير الله،حرم ذلكفي أصح قولي العلماء‏.‏وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوم يأتون باللحم ولا يُدْرَى أسموا عليه أم لا‏؟‏ فقال‏:‏‏(‏سموا أنتم وكلوا‏)‏‏.‏
وأما الماء، فهو في نفسه طهور، ولكن إذا خالطته النجاسة وظهرت فيه، صار استعماله استعمالاً لذلك الخبيث، فإنما نهي عن استعماله؛ لما خالطه من الخبيث، لا لأنه في نفسه خبيث، فإذا لم يكن هنا أمارة ظاهرة على مخالطة الخبيث له، كان هذا التقدير والاحتمال مع طيب الماء وعدم التغيير فيه من باب الحرج الذي نفاه الله عن شريعتنا، ومن باب الآصار والأغلال المرفوعة عنا‏.‏
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ توضأ من جرة نصرانية مع قيام هذا الاحتمال، ومر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وصاحب له بميزاب فقال صاحبه‏:‏ يا صاحب الميزاب، ماؤك طاهر أم نجس‏؟‏ فقال عمر‏:‏ يا صاحب الميزاب، لا تخبره‏.‏ فإن هذا ليس عليه‏.‏ وقد نص على هذه المسألة الأئمة كأحمد وغيره؛ نصوا على أنه إذا سقط عليه ماء من ميزاب ونحوه، ولا أمارة تدل على النجاسة، لم يلزم السؤال عنه، بل يكره‏.‏ وإن سأل‏:‏ فهل يلزم رد الجواب‏؟‏ على وجهين‏.‏ وقد استحب بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره السؤال وهو ضعيف‏.‏
والوجه الثاني‏:‏ أن يقول‏:‏ هذه الاحتمالات هنا منتفية؛ أو في غاية البعد فلا يلتفت إليها، والالتفات إليها حرج ليس من الدين، ووسوسة يأتي بها الشيطان؛ وذلك أن الطاسات ـ وغيرها من الآنية التي يدخل بها الناس الحمامات ـ طاهرة في الأصل، واحتمال نجاستها أضعف من احتمال نجاسة الأوعية التي في حوانيت الباعة، فإذا كانت آنية الأدهان والألبان والخلول والعجين ـ وغير ذلك من المائعات والجامدات والرطبة ـ محكومًا بطهارتها، غير ملتفت فيها إلى هذا الوسواس، فكيف بطاسات الناس‏؟‏‏!‏
وأما قول القائل‏:‏ إنها تقع على الأرض، فنعم‏.‏ وما عند الحياض من الأرض طاهر لا شبهة فيه؛ فإن الأصل فيه الطهارة، وما يقع علىه من المياه والسدر والخطمي والأشنان والصابون وغير ذلك، طاهر، وأبدان الجنب من الرجال والنساء طاهرة‏.‏
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة، قال‏:‏ فانخنست منه؛ فاغتسلت ثم أتيته فقال‏:‏ ‏(‏أين كنت‏؟‏‏)‏ فقلت‏:‏ إني كنتُ جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا جنب، فقال‏:‏ ‏(‏سبحان الله‏!‏ إن المؤمن لا ينجس‏)‏‏.‏ وهذا متفق عليه بين الأئمة‏:‏ أن بدن الجنب طاهر وعرقه طاهر، والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن أو مائع، لم ينجسه بلا نزاع بين الأئمة، بل وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر‏.‏ وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن للحائض أن تصلي في ثوبها الذي تحيض فيه، وأنها إذا رأت فيه دمًا أزالته وصلت فيه‏.‏
فإذا كان كذلك، فمن أين ينجس ذلك البلاط‏؟‏ أكثر ما يقال‏:‏ إنه قد يبول عليه بعض المغتسلين، أو يبقى عليه، أو يكون على بدن بعض المغتسلين نجاسة يطأ بها الأرض، ونحو ذلك‏.‏
تابع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد المصرى
عضو قريب يولي مشرف
عضو قريب يولي مشرف


ذكر عدد الرسائل : 16
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 19/11/2011

مُساهمةموضوع: تابع   السبت نوفمبر 19, 2011 4:28 am


وجواب هذا من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن هذا قليل نادر؛ وليس هذا المتيقن من كل بقعة‏.‏
الثاني‏:‏ أن غالب من تقع منه نجاسة يصب عليها الماء الذي يزيلها‏.‏
الثالث‏:‏ أنه إذا أصاب ذلك البلاط شيء من هذا، فإن الماء الذي يفيض من الحوض والذي يصبه الناس، يطهر تلك البقعة، وإن لم يقصد تطهيرها، فإن القصد في إزالة النجاسة ليس بشرط عند أحد من الأئمة الأربعة، ولكن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، ذكروا وجهًا ضعيفًا في ذلك؛ ليطردوا قياسهم في مناظرة أبي حنيفة في اشتراط النية في طهارة الحدث‏.‏ كما أن زفر نفي وجوب النية في التيمم طردًا لقياسه، وكلا القولين مطرح‏.‏
وقد نص الأئمة على أن ماء المطر يطهر الأرض التي يصيبها، وغالب الماء الذي يصب على الأرض ليس بمستعمل، فإن أكثر الماء الذي يصبه الناس لا يكون عن جنابة، ولا متغيرًا‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن يقال‏:‏ هب أن الحوض وقعت فيه نجاسة محققة، أو انغمس فيه جنب، فهذا ماء كثير‏.‏ وقد ثبت عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له‏:‏ يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بُضَاعَة وهي بئر يلقي فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏الماء طَهور لا ينجسه شيء‏)‏‏.‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حديث بئر بُضَاعة صحيح‏.‏ وفي السنن عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال‏:‏ ‏(‏إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء‏)‏، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏لم يحمل الخبث‏)‏‏.‏
وبئر بُضَاعَة بئر كسائر الآبار، وهي باقية إلى الآن بالمدينة من الناحية الشرقية، ومن قال‏:‏ إنها كانت عينا جارية، فقد غلط غلطًا بينًا؛ فإنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عين جارية أصلاً، ولم يكن بها إلا الآبار، منها يتوضؤون ويغتسلون ويشربون، ومثل بئر أَرِيس التي بقباء، أو البئر التي بِبَيْرُحَاء ‏(‏حديقة أبي طلحة‏)‏، والبئر التي اشتراها عثمان وحبسها على المسلمين، وغير هذه الآبار، وكان سقيهم للنخل والزرع من الآبار بالنواضح والسواني، السوَّاني‏:‏ جمع سانية وهي الناقة يسقى عليها، ومثلها النواضح ونحو ذلك، أو بماء السماء وما يأتي من السيول، فأما عين جارية، فلم تكن لهم‏.‏
وهذه العيون التي تسمي عيون حمزة، إنما أحدثها معاوية في خلافته وأمر الناس بنقل الشهداء من موضعها، فصاروا ينبشونهم وهم رطاب لم ينتنوا، حتى أصابت المَسْحاة رِجْل أحدهم فانبعثت دمًا، وكذلك عين الزرقاء محدثة، لكن لا أدري متى حدثت‏؟‏
وهذا أمر لا ينازع فيه أحد من العلماء العالمين بالمدينة وأحوالها، وإنما ينازع في مثل هذا بعض أتباع علماء العراق، الذين ليس لهم خبرة بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومدينته وسيرته‏.‏ وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من تلك البئر التي يلقي فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فكيف يشرع لنا أن نتنزه عن أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ وقد ثبت عنه أنه أنكر على من يتنزه عما يفعله، وقال‏:‏ ‏(‏ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها‏؟‏ والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده‏)‏‏.‏
ولو قال قائل‏:‏ نتنزه عن هذا لأجل الخلاف فيه، فإن من أهل العراق من يقول‏:‏ الماء إذا وقعت فيه نجاسة نجسته وإن كان كثيرًا إلا أن يكون مما لا تبلغه النجاسة، ويقدرونه بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر، وهل العبرة بحركة المتوضئ أو بحركة المغتسل‏؟‏ على قولين‏.‏ وقدر بعضهم ذلك بعشرة أذرع في عشرة أذرع‏.‏ ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه‏)‏، ثم يقولون‏:‏ إذا تنجست البئر، فإنه ينزح منها دلاء مقدرة في بعض النجاسات، وفي بعضها تنزح البئر كلها‏.‏ وذهب بعض متكلميهم إلى أن البئر تَطُمُّ، فهذا الاختلاف يورث شبهة في الماء إذا وقعت فيه نجاسة‏؟‏
قيل لهذا القائل‏:‏ الاختلاف إنما يورث شبهة إذا لم تتبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأما إذا تبينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في شيء، وقد كره أن نتنزه عما ترخص فيه، وقال لنا‏:‏ ‏(‏إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته‏)‏‏.‏رواه أحمد وابن خزيمة في صحيحه، فإن تنزهنا عنه، عصينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أحق أن نرضيه، وليس لنا أن نغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبهة وقعت لبعض العلماء، كما كان عام الحديبية، ولو فتحنا هذا الباب، لكنا نكره لمن أرسل هديا أن يستبيح ما يستبيحه الحلال لخلاف ابن عباس، ولكنا نستحب للجنب إذا صام أن يغتسل لخلاف أبي هريرة، ولكنا نكره تطيب المحرم قبل الطواف لخلاف عمر وابنه ومالك، ولكنا نكره له أن يلبي إلى أن يرمي الجمرة بعد التعريف لخلاف مالك وغيره، ومثل هذا واسع لا ينضبط‏.‏
وأما من خالف في شيء من هذا من السلف والأئمة ـ رضي الله عنهم ـ فهم مجتهدون قالوا بمبلغ علمهم واجتهادهم، وهم إذا أصابوا فلهم أجران، وإذا أخطؤوا فلهم أجر، والخطأ محطوط عنهم، فهم معذورون لاجتهادهم، ولأن السنة البينة لم تبلغهم، ومن انتهي إلى ما علم فقد أحسن‏.‏
فأما من تبلغه السنة ـ من العلماء وغيرهم ـ وتبين له حقيقة الحال، فلم يبق له عذر في أن يتنزه عما ترخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يرغب عن سنته لأجل اجتهاد غيره، فإنه قد ثبت عنه في الصحيحين أنه بلغه أن أقوامًا يقول أحدهم‏:‏ أما أنا فأصوم لا أفطر‏.‏ ويقول الآخر‏:‏ فأنا أقوم ولا أنام‏.‏ ويقوم الآخر‏:‏ أما أنا فلا أتزوج النساء‏.‏ ويقول الآخر‏:‏ أما أنا فلا آكل اللحم فقال‏:‏ ‏(‏بل أصوم وأفطر،وأنام وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏)‏‏.‏
ومعلوم أن طائفة من المنتسبين إلى العلم والدين يرون أن المداومة على قيام الليل وصيام النهار وتـرك النكاح وغـيره مـن الطيبات، أفضـل مـن هـذا، وهـم في هـذا ـ إذا كانـوا مجتهدين ـ معذورون‏.‏ ومن علم السنة فرغب عنها لأجل اعتقاد أن ترك السنة إلى هذا أفضل، وأن هذا الهدي أفضل من هدي محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن معذورًا بل هو تحت الوعيد النبوي بقوله‏:‏ ‏(‏من رغب عن سنتي فليس مني‏)‏‏.‏
وفي الجملة، باب الاجتهاد والتأويل باب واسع يؤول بصاحبه إلى أن يعتقد الحرام حلالا، كمن تأول في ربا الفضل، والأنبذة المتنازع فيها، وحشوش النساء، وإلى أن يعتقد الحلال حرامًا، مثل بعض ما ذكرناه من صور النزاع، مثل الضب وغيره، بل يعتقد وجوب قتل المعصوم أو بالعكس، فأصحاب الاجتهاد ـ وإن عذروا وعرفت مراتبهم من العلم والدين ـ فلا يجوز ترك ما تبين من السنة والهدي لأجل تأويلهم‏.‏ والله أعلم‏.‏
وبهذا يظهر الجواب عن قولهم‏:‏ إنه قد يغمس يده فيه أو ينغمس فيه الجنب، فإنه قد ثبت بالنسبة أن هذا لا يؤثر فيه النجاسة، فكيف تؤثر فيه الجنابة‏؟‏ وقد أجاب الجمهور عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن‏:‏ أن يبول الرجل في الماء الدائم ثم يغتسل منه بأجوبة‏:‏
أحدها‏:‏ أن النهي عن الاغتسال وعن البول؛ لأن ذلك قد يفضي إلى الإكثار من ذلك حتى يتغير الماء، وإذا بال ثم اغتسل فقد يصيبه البول قبل استحالته،وهذا جواب من يقول‏:‏ الماء لا ينجس إلا بالتغير، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك، وأحمد في رواية اختارها أبو محمد البغدادي صاحب التعليقة‏.‏
الثاني‏:‏ أن ذلك محمول على ما دون القلتين، توفيقًا بين الأحاديث، وهذا جواب الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد‏.‏
الثالث‏:‏ أن النص إنما ورد في البول، والبول أغلظ من غيره؛ لأن أكثر عذاب القبر منه، وصيانة الماء منه ممكنة؛ لأنه يكون باختيار الإنسان، فلما غلظ ـ وصيانة الماء عنه ممكنة ـ فَرَقَ بينه وبين ما يعسر صيانة الماء عنه، وهو دونه‏.‏ وهذا جواب أحمد في المشهور عنه، واختيار جمهور أصحابه‏.‏
الجواب الرابع‏:‏ أنا نفرض أن الماء قليل، وأن المغتسلين غمسوا فيه أيديهم، فهذا بعينه صورة النصوص التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يغتسل هو والمرأة من أزواجه من إناء واحد‏.‏ وقد تنازع الفقهاء الذين يقولون بأن الماء المتطهر به يصير مستعملاً إذا غمس الجنب يده فيه‏:‏ هل يصير مستعملًا‏؟‏ على قولين مشهورين‏.‏ وهو نظير غمس المتوضئ يده بعد غسل وجهه عند من يوجب الترتيب كالشافعي وأحمد‏.‏ والصحيح عندهم‏:‏ الفرق بين أن ينوي الغسل أو لا ينويه، فإن نوي مجرد الغسل صار مستعملاً، وإن نوي مجرد الاغتراف لم يصر مستعملًا، وإن أطلق لم يصر مستعملًا ـ على الصحيح‏.‏
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اغترف من الإناء بعد غسل وجهه، كما ثبت عنه أنه اغترف منه في الجنابة، ولم يحـرج على المسلمين في هذا الوضع، بـل قد علمنا ـ يقينًا ـ أن أكثر توضؤ المسلمين واغتسالهم على عهده كان من الآنية الصغار، وأنهم كانوا يغمسون أيديهم في الوضوء والغسل جميعًا فمن جعل الماء مستعملاً بذلك فقد ضيق ما وسعه الله‏.‏
فإن قيل‏:‏ فنحن نحترز من ذلك لأجل قول من ينجس الماء المستعمل‏.‏
قيل‏:‏ هذا أبعد عن السنة؛ فإن نجاسة الماء المستعمل نجاسة حسية كنجاسة الدم ونحوه ـ وإن كان إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ـ فهو مخالف لقول سلف الأمة وأئمتها، مخالف للنصوص الصحيحة والأدلة الجلية، وليست هذه المسألة من موارد الظنون، بل هي قطعية بلا ريب، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ وصب وضوءه على جابر، وأنهم كما‏.‏
كانوا يقتتلون على وضوئه،كما يأخذون نخامته، وكما اقتسموا شعره عام حجة الوداع‏.‏
فمن نجس الماء المستعمل، كان بمنزلة من نجس شعور الآدميين، بل بمنزلة من نجس البصاق كما يروي عن سلمان‏.‏
وأيضًا، فبدن الجنب طاهر بالنص والإجماع، والماء الطاهر إذا لاقي محلاً طاهرًا لم ينجس بالإجماع‏.‏
وأما احتجاجهم بتسمية ذلك طهارة، وأنها ضد النجاسة، فضعيف من وجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه لا يسلم أن كل طهارة فضدها النجاسة؛ فإن الطهارة تنقسم إلى‏:‏ طهارة خبث وحدث، طهارة عينية وحكمية‏.‏
الثاني‏:‏ أنا نسلم ذلك ونقول‏:‏ النجاسة أنواع كالطهارة، فيراد بالطهارة الطهارة من الكفر والفسوق، كما يراد بالنجاسة ضد ذلك، كقوله تعالى‏:‏ ‏{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ }‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 28‏]‏، وهذه النجاسة لا تفسد الماء بدليل أن سؤر اليهودي والنصراني طاهر، وآنيتهم التي يصنعون فيها المائعات ويغمسون فيها أيديهم طاهرة، وقد أهدي اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم شاة مشوية وأكل منها لقمة، مع علمه أنهم باشروها‏.‏ وقد أجاب صلى الله عليه وسلم يهوديا الى خبز شعير وإهالةٍ سَنِخَة‏.‏
والثاني‏:‏ يراد بالطهارة الطهارة من الحدث، وضد هذه نجاسة الحدث، كما قال أحمد ـ في بعض أجوبته لما سئل عن نحو ذلك ـ‏:‏ إنه أنجس الماء‏.‏ فظن بعض أصحابه أنه أراد نجاسة الجنب؛ فذكر ذلك رواية عنه‏.‏ وإنما أراد أحمد نجاسة الحدث، وأحمد ـ رضي الله عنه ـ لا يخالف سنة ظاهرة معلومة له قط، والسنة في ذلك أظهر من أن تخفي على أقل أتباعه، لكن نقل عنه أنه قال‏:‏ اغسل بدنك منه‏.‏ والصواب‏:‏ أن هذا لا يدل على النجاسة؛ فإن غسل البدن من الماء المستعمل لا يجب بالاتفاق، ولكن ذكروا عن أحمد ـ رحمه الله ـ في استحباب غسل البدن منه روايتين‏.‏ والرواية التي تدل على الاستحباب لأجل الشبهة‏.‏ والصحيح أن ذلك لا يجب ولا يستحب؛ لأن هذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يغسلون ثيابهم بما يصيبهم من الوضوء‏.‏
الثالث‏:‏ يراد بالطهارة الطهارة من الأعيان الخبيثة التي هي نجسة، والكلام في هذه النجاسة بالقـول بأن الماء المستعمل صار بمنزلة الأعيان الخبيثة ـ كالدم والماء المنجس ونحو ذلك ـ هو القول الذي دلت النصوص والإجماع القديم والقياس الجلي على بطلانه‏.‏ وعلى هـذا، فجميع هـذه المياه التي في الحياض، والبرك التي في الحمامات والطرقات وعلى أبواب المساجد وفي المدارس، وغير ذلك، لا يكره التطهر بشيء منها ـ وإن سقط فيها الماء المستعمل ـ وليس للإنسان أن يتنزه عن أمر ثبتت فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرخصة لأجل شبهة وقعت لبعض العلماء ـ رضي الله عنهم أجمعين‏.‏
وقد تبين ـ بما ذكرناه ـ جواب السائل عن الماء الذي يقطر من بدن الجنب بجماع أو غيره، وتبين أن الماء طاهر، وأن التنزه عنه أو عن ملامسته للشبهة التي في ذلك بدعة مخالفة للسنة، ولا نزاع بين المسلمين أن الجنب لو مس مغتسلاً لم يقدح في صحة غسله‏.‏
وأما المسخن بالنجاسة، فليس بنجس باتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه، وأما كراهته ففيها نزاع، لا كراهة فيه في مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ومالك وأحمد في إحدي الروايتين عنهما، وكرهه مالك وأحمد في الرواية الأخري عنهما‏.‏ وهذه الكراهة لها مأخذان‏:‏
أحدهما‏:‏ احتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء فيبقي مشكوكًا في طهارته شكا مستندًا إلى أمارة ظاهرة، فعلى هذا المأخذ متي كان بين الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره؛ لأنه قد تيقن أن الماء لم تصل اليه النجاسة، وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد؛ كالشريف أبي جعفر وابن عقيل وغيرهما‏.‏
والثاني‏:‏ أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة؛ واستعمال النجاسة مكروه عندهم؛ والحاصل بالمكروه مكروه‏.‏ وهذه طريقة القاضي وغيره ـ فعلى هذا إنما الكراهة إذا كان التسخين حصل بالنجاسة‏.‏ فأما إذا كان غالب الوقود طاهرًا أو شك فيه لم تكن هذه المسألة‏.‏
وأما دخان النجاسة، فهذا مبني على أصل، وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتي صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة ـ مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحًا طيبًا كغيرها من الملح، أو يصير الوقود رمادًا وخرشفًا وقصرملا ونحو ذلك ـ ففيه للعلماء قولان‏:‏
أحدهما‏:‏ لا يطهر، كقول الشافعي ـ وهو أحد القولين في مذهب مالك ـ وهو المشهور عن أصحاب أحمد، وإحدي الروايتين عنه‏.‏ والرواية الأخري‏:‏ أنه طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك في أحد القولين؛ وإحدي الروايتين عن أحمد‏.‏
ومذهب أهل الظاهر وغيرهم‏:‏ أنها تطهر‏.‏ وهذا هو الصواب المقطوع به؛ فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظًا ولا معني، فليست محرمة ولا في معني المحرم، فلا وجه لتحريمها، بل تتناولها نصوص الحل؛ فإنها من الطيبات‏.‏ وهي ـ أيضًا ـ في معني ما اتفق على حله، فالنص والقياس يقتضي تحليلها‏.‏
وأيضًا، فقد اتفقوا كلهم على الخمر إذا صارت خلاً بفعل الله ـ تعالى ـ صارت حلالاً طيبًا،واستحالة هذه الأعيان أعظم من استحالة الخمر، والذين فرقوا بينهما قالوا‏:‏ الخمر نجست الاستحالة فطهرت بالاستحالة بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير، وهذا الفرق ضعيف؛ فـإن جميع النجاسـات نجست ـ أيضًا ـ بالاستحالـة؛ فإن الدم مستحيل عن أعيان طاهـرة، وكذلك العذرة والبـول والحيـوان النجس مستحيـل عـن مادة طاهرة مخلوقة‏.‏
وأيضًا، فإن الله تعالى حرم الخبائث؛ لما قام بها من وصف الخبث، كما أنه أباح الطيبات؛ لما قام بها من وصف الطيب، وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث وإنما فيها وصف الطيب‏.‏
فإذا عرف هذا، فعلى أصح القولين فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر؛ لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية؛ وليس فيه شيء من وصف الخبث‏.‏
وعلى القول الآخر، فلابد أن يعفي من ذلك عما يشق الاحتراز منه، كما يعفي عما يشق الاحتراز منه على أصح القولين‏.‏ ومن حكم بنجاسةذلك ولم يعف عما يشق الاحتراز منه فقوله أضعف الأقوال‏.‏
هذا إذا كان الوقود نجسًا‏.‏ فأما الطاهر كالخشب والقصب والشوك، فلا يؤثر باتفاق العلماء، وكذلك أرواث ما يؤكل لحمه من الإبل والبقر والغنم والخيل فإنها طاهرة في أصح قولي العلماء‏.‏ والله أعلم‏.‏
وأما الماء الذي يجري على أرض الحمام مما يفيض وينزل من أبدان المغتسلين ـ غسل النظافة وغسل الجنابة وغير ذلك ـ فإنه طاهر، وإن كان فيه من الغسل كالسدر والخطمي والأشنان ما فيه، إلا إذا علم في بعضه بول أو قيء أو غير ذلك من النجاسات، فذلك الماء الذي خالطته هذه النجاسات له حكم‏.‏ وأما ما قبله وما بعده فلا يكون له حكمه بلا نزاع، لاسيما وهذه المياه جارية بلا ريب، بل ماء الحمام الذي هو فيه إذا كان الحوض فائضًا، فإنه جاز في أصح قولي العلماء، وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء، وهو بمنزلة ما يكون في الأنهار من حفرة ونحوها، فإن هذا الماء ـ وإن كان الجريان على وجهه ـ فإنه يستخلف شيئًا فشيئًا، ويذهب ويأتي ما بعده، لكن يبطئ ذهابه بخلاف الذي يجري جميعه‏.‏
وقد تنازع العلماء في الماء الجاري على قولين‏:‏
أحدهما‏:‏ لا ينجس إلا بالتغير‏.‏ وهذا مذهب أبي حنيفة ـ مع تشديده في الماء الدائم ـ وهو ـ أيضًا ـ مذهب مالك، والقول القديم للشافعي، وهو أنص الروايتين عن أحمد واختيار محققي أصحابه‏.‏
والقول الآخر‏:‏ للشافعي، وهي الرواية الأخري عن أحمد‏:‏ أنه كالدائم فتعتبر الجرية‏.‏
والصواب‏:‏ الأول؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الدائم والجاري في نهيه عن الاغتسال فيه والبول فيه، وذلك يدل على الفرق بينهما، ولأن الجاري إذا لم تغيره النجاسة فلا وجه لنجاسته‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث‏)‏ إنما دل على ما دونهما بالمفهوم، والمفهوم لا عموم له فلا يدل ذلك على أن ما دون القلتين يحمل الخبث، بل إذا فرق فيه بين دائم وجار أو إذا كان في بعض الأحيان يحمل الخبث، كان الحدث معمولاً به‏.‏ فإذا كان طاهرًا بيقين وليس في نجاسته نص ولا قياس وجب البقاء على طهارته مع بقاء صفاته، وإذا كان حوض الحمام الفائض إذا كان قليلاً ووقع فيه بول أو دم أو عذرة ولم تغيره، لم ينجسه على الصحيح، فكيف بالماء الذي جميعه يجري على أرض الحمام‏؟‏ فإنه إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره لم ينجس‏.‏
وهذا يتضح بمسألة أخري،وهو‏:‏ أن الأرض ـ وإن كانت ترابًا أو غير تراب ـ إذا وقعت عليها نجاسة من بول أو عذرة أو غيرهما، فإنه إذا صب الماء على الأرض حتي زالت عين النجاسة، فالماء والأرض طاهران، وإن لم ينفصل الماء في مذهب جماهير العلماء، فكيف بالبلاط‏؟‏ ولهذا قالوا‏:‏ إن السطح إذا كانت عليه نجاسة وأصابه ماء المطر حتي أزال عينها، كان ما ينزل من الميازيب طاهرًا، فكيف بأرض الحمام‏؟‏ فإذا كان بها بول أو قيء فصب عليه ماء حتي ذهبت عينه، كان الماء والارض طاهرين ـ وإن لم يجر الماء ـ فكيف إذا جري وزال عن مكانه‏؟‏ والله أعلم‏.‏
وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع؛ وذكرنا بضعة عشر دليلاً شرعيا على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه، فإذا كانت طاهرة فكيف بالمستحيل منها ـ أيضًا‏؟‏ وطهارة هذه الأرواث بينة في السنة، فلا يجعل الخلاف فيها شبهة يستحب لأجله اتقاء ما خالطته؛ إذ قد ثبت بالسنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يلابسونها‏.‏ وأما روث ما لا يؤكل لحمه كالبغال والحمير، فهذه نجسة عند جمهور العلماء‏.‏ وقد ذهب طائفة إلى طهارتها، وأنه لا ينجس من الأرواث والأبوال إلا بول الآدمي وعذرته؛ لكن على القول المشهور ـ قول الجمهورـ إذا شك في الروثة‏:‏ هل هي من روث ما يؤكل لحمه أو من روث ما لا يؤكل لحمه‏؟‏ ففيها قولان للعلماء، هما وجهان في مذهب أحمد‏:‏

تابع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد المصرى
عضو قريب يولي مشرف
عضو قريب يولي مشرف


ذكر عدد الرسائل : 16
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 19/11/2011

مُساهمةموضوع: رد: كتاب الطهـــارة (باب المياه)   السبت نوفمبر 19, 2011 4:30 am

أحدهما‏:‏ يحكم بنجاستها؛ لأن الأصل في الأرواث النجاسة‏.‏
والثاني ـ وهو الأصح ـ‏:‏ يحكم بطهارتها؛ لأن الأصل في الأعيان الطهارة‏.‏ ودعوي أن الأصل في الأرواث النجاسة ممنوع؛ فلم يدل على ذلك لا نص ولا إجماع، ومن ادعي أصلاً بلا نص ولا إجماع فقد أبطل، وإذا لم يكن معه إلا القياس فروث ما يؤكل لحمه طاهر، فكيف يدعي أن الأصل نجاسة الأرواث‏؟‏
إذا عرف ذلك، فإن تيقن أن الوقود نجس، فالدخان من مسائل الاستحالة كما تقدم‏.‏ وأما إذا تيقن طهارته فلا نزاع فيه‏.‏ وإن شك‏:‏ هل فيه نجس‏؟‏ فالأصل الطهارة، وإن تيقن أن فيه روثًا وشك في نجاسته، فالصحيح الحكم بطهارته‏.‏ وإن علم اشتماله على طاهر ونجس وقلنا بنجاسة المستحيل عنه، كان له حكمه فيما يصيب بدن المغتسل، يجوز أن يكون من الطاهر ويجوز أن يكون من النجس، فلا ينجس بالشك، كما لو أصابه بعض رماد مثل هذا الوقود، فإنا لا نحكم بنجاسة البدن بذلك وإن تيقنا أن في الوقود نجسًا، لإمكان أن يكون هذا الرماد غير نجس، والبدن طاهر بيقين، فلا نحكم بنجاسته بالشك‏.‏ وهذا إذا لم يختلط الرماد النجس بالطاهر، أو البخار النجس بالطاهر‏.‏ فأما إذا اختلطا بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، فما أصاب الإنسان يكون منهما جميعًا، ولكن الوقود في مقره لا يكون مختلطًا، بل رماد كل نجاسة يبقي في حيزها‏.‏
فإن قيل‏:‏ لو اشتبه الحلال بالحرام ـ كاشتباه أخته بأجنبية، أو الميتة بالمذكاة ـ اجتنبهما جميعًا‏.‏ ولو اشتبه الماء الطاهر بالنجس، فقيل‏:‏ يتحري للطهارة إذا لم يكن النجس نجس الأصل، بأن يكون بولاً، كما قاله الشافعي‏.‏ وقيل‏:‏ لا يتحري، بل يجتنبهما كما لو كان أحدهما بولاً، وهو المشهور من مذهب أحمد وطائفة من أصحاب مالك‏.‏ وقيل‏:‏ يتحري إذا كانت الآنية أكبر، وهذا مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد، وفي تقدير الكبير نزاع معروف عندهم، فهنا ـ أيضًا ـ اشتبهت الأعيان النجسة بالطاهرة فاشتبه الحلال بالحرام‏.‏
قيل‏:‏ هذا صحيح، ولكن مسألتنا ليست من هذا الباب، فإنه إذا اشتبه الحلال بالحرام اجتنبهما؛ لأنه إذا استعملهما لزم استعمال الحرام قطعًا وذلك لا يجوز، فهو بمنزلة اختلاط الحلال بالحرام على وجه لا يمكن تمييزه كالنجاسة إذا ظهرت في الماء، وإن استعمل أحدهما من غير دليل شرعي كان ترجيحًا بلا مرجح؛ وهما مستويان في الحكم، فليس استعمال هذا بأولي من هذا، فيجتنبان جميعًا‏.‏
وأما اشتباه الماء الطاهر بالنجس، فإنما نشأ فيه النزاع؛ لأن الطهارة بالطهور واجبة، وبالنجس حرام، فقد اشتبه واجب بحرام‏.‏ والذين منعوا التحري قالوا‏:‏ استعمال النجس حرام‏.‏ وأما استعمال الطهور، فإنما يجب مع العلم والقدرة، وذلك منتف هنا؛ ولهذا تنازعوا‏:‏ هل يحتاج إلى أن يعدم الطهور بخلط أوراقه‏؟‏ على قولين مشهورين؛ أصحهما أنه لا يجب؛ لأن الجهل كالعجز، والشافعي ـ رحمه الله ـ إنما جوز التحري إذا كان الأصل فيهما الطهارة؛ لأنه حينئذ يكون قد استعمل ما أصله طاهر وقد شك في تنجسه، فيبقي الأمر فيه على استصحاب الحال‏.‏ والذين نازعوه قالوا‏:‏ ما صار نجسًا بالتغير فهو بمنزلة نجس الأصل، وقد زال الاستصحاب بيقين النجاسة، كما لو حرمت إحدي امرأتيه برضاع أو طلاق أو غيرهما، فإنه بمنزلة من تكون محرمة الأصل عنده‏.‏ ومسألة اشتباه الحلال بالحرام ذات فروع متعددة‏.‏
وأما إذا اشتبه الطاهر بالنجس وقلنا‏:‏ يتحري، أو لا يتحري، فإنه إذا وقع على بدن الإنسان أو ثوبه أو طعامه شيء من أحدهما لا ينجسه؛ لأن الأصل الطهارة وما ورد عليه مشكوك في نجاسته، ونحن منعنا من استعمال أحدهما؛ لأنه ترجيح بلا مرجح‏.‏ فأما تنجس ما أصابه ذلك فلا يثبت بالشك‏.‏ نعم، لو أصابا ثوبين حكم بنجاسة أحدهما،ولو أصابا بدنين فهل يحكم بنجاسة أحدهما‏؟‏ هذا مبني على ما إذا تيقن الرجلان أن أحدهما أحدث أو أن أحدهما طلق امرأته، وفيه قولان‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه لا يجب على واحد منهما طهارة ولا طلاق، كما هو مذهب الشافعي وغيره، وأحد القولين في مذهب أحمد؛ لأن الشك في رجلين لا في واحد، فكل واحد منهما له أن يستصحب حكم الأصل في نفسه‏.‏
والثاني‏:‏ أن ذلك بمنزلة الشخص الواحد، وهو القول الآخر في مذهب أحمد، وهو أقوي؛ لأن حكم الإيجاب أو التحريم يثبت قطعًا في حق أحدهما، فلا وجه لرفعه عنهما جميعًا‏.‏
وسر ما ذكرناه‏:‏ أنه إذا اشتبه الطاهر بالنجس فاجتنابهما جميعًا واجب؛ لأنه يتضمن لفعـل المحـرم، واجتناب أحدهما؛ لأن تحليله دون الآخر تحكم‏.‏ ولهذا لما رخص من رخص في بعض الصور عضده بالتحري، أو به واستصحابه الحلال‏.‏ فأما ما كان حلالاً بيقين، ولم يخالطـه ما حكم بأنه نجس فكيف ينجس‏؟‏ ولهذا لو تيقن أن في المسجد أو غيره بقعـة نجسـة، ولم يعلم عينها، وصلي في مكـان منـه ولم يعلـم أنه المتنجس، صحت صـلاته؛ لأنه كـان طاهرًا بيقين ولم يعلم أنه نجس‏.‏ وكذلك لو أصابه شيء من طين الشوارع لم يحكم بنجاسـته وإن علم أن بعض طـين الشوارع نجس، ولا يفـرق في هـذا بين العدد المنحصر وغير المنحصر، وبين القلتين والكثير، كما قيل مثل ذلك في اشتباه الأخت بالأجنبية؛لأنه هناك اشتبه الحلال بالحرام،وهنا شك في طريان التحريم على الحلال‏.‏
وإذا شك في النجاسة‏:‏ هل أصابت الثوب أو البدن‏؟‏ فمن العلماء من يأمر بنضحه، ويجعل حكم المشكوك فيه النضح، كما يقوله مالك‏.‏ ومنهم من لا يوجب ذلك‏.‏ إذا احتاط ونضح المشكوك فيه كان حسنًا كما روي في نضح أنس للحصير الذي اسود من طول ما لبس، ونضح عمر ثوبه، ونحو ذلك‏.‏ والله أعلم‏.
وَسُئِلَ عن أناس في مفازة ومعهم قليل ماء، فولغ الكلب فيه وهم في مفازة معطشة فما الحكم فيه‏؟‏
فأجاب‏:‏
يجوز لهم حبسه لأجل شربه إذا عطشوا ولم يجدوا ماء طيبًا؛ فإن الخبائث جميعًا تباح للمضطر، فله أن يأكل عند الضرورة الميتة والدم ولحم الخنزير، وله أن يشرب عند الضرورة ما يرويه كالمياه النجسة والأبوال التي ترويه،وإنما منعه أكثر الفقهاء عن شربالخمر؛ قالوا‏:‏ لأنها تزيده عطشًا‏.‏
وأما التوضؤ بماء الولوغ فلا يجوز عند جماهير العلماء، بل يعدل عنه إلى التيمم‏.‏
ويجب على المضطر أن يأكل ويشرب ما يقيم به نفسه، فمن اضطر إلى الميتة أو الماء النجس فلم يشرب ولم يأكل حتى مات، دخل النار، ولو وجد غيره مضطرًا إلى ما معه من الماء الطيب أو النجس فعليه أن يسقيه إياه ويعدل إلى التيمم، سواء كان عليه جنابة أو حدث صغير، ومن اغتسل وتوضأ وهناك مضطر من أهل الملة أو الذمة أو دوابهم المعصومة فلم يسقه، كان آثمًا عاصيا‏.‏ والله أعلم‏

بكده خلص هذا الباب

ان شاء الله سنبدأ فى باب اسمه بـاب الآنيـة من كتاب الطهاره ان شاء الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دلوعة طرابلس
عضو شادها نت من الصبح
عضو شادها نت من الصبح


انثى عدد الرسائل : 9
العمر : 23
تاريخ التسجيل : 01/06/2012

مُساهمةموضوع: رد: كتاب الطهـــارة (باب المياه)   الجمعة يونيو 01, 2012 1:16 pm

مشكور ربي يحفظك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب الطهـــارة (باب المياه)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
بنات ليبيا :: :: المنتديات العامة :: :: المنــتــدى الدينــي-
انتقل الى: